علاقة ودّ جديدة بين «وول ستريت» والأسواق الصينية

في ظل علاقات متوترة منذ فترة ليست بالقصيرة ولأسباب متنوعة بين الولايات المتحدة الأمريكية ومعها أوروبا من جانب، وبين الصين من جانب آخر.

فوجئنا الأسبوع الماضي ببيان صحفي من بنك «غولدمان ساكس»، والذي يُعد أحد أشهر الرموز التقليدية للهيمنة الأمريكية على صناعة المال في كافة أنحاء العالم، يكشف فيه النقاب عن شراكة في إدارة الثروات الخاصة مع «البنك الصناعي التجاري الصيني» التابع للحكومة الصينية.

وبموجب هذه الشراكة، يستطيع «غولدمان ساكس»، والذي يُعد واحداً من أشهر الكيانات المالية في بورصة «وول ستريت» الأمريكية، وعلى مستوى العالم، أن يدير مدخرات مملوكة لمئات الملايين من عملاء البنك الصيني.

وتعكس هذه الشراكة مفارقة شديدة الأهمية، وهي أنه على الرغم من التنافس الجيوسياسي والاقتصادي الحالي المتزايد بين العملاقين، أمريكا والصين، والدعوات المتصاعدة لأصوات متشددة من الجانبين تنادي بالانفصال الاقتصادي التام بينهما، باتت «وول ستريت» على مقربة من الثروات الخاصة الصينية، وعلى نحو لم يتحقق مُطلقاً قبل ذلك.

وقبل «غولدمان ساكس»، أعلنت شركة «بلاك روك» الأمريكية لإدارة الاستثمارات في مطلع الشهر الماضي عن حصولها على موافقة بشأن إبرام شراكة لإدارة الثروات الخاصة مع «بنك التعمير الصيني» المملوك للحكومة الصينية أيضاً.

فيما أفصحت شركة إدارة الأصول التابعة لبنك «جيه بي مورغان» الأمريكي الشهير في مارس الماضي عن خطط لاستثمار مبلغ 415 مليون دولار في وحدة إدارة الثروات لدى «بنك التجار الصيني».

ولم تقتصر موجة انفتاح الشهية للاستثمار في الثروات الصينية على بنوك وكيانات «وول ستريت» فحسب، بل وإنما طالت الشركات الاستثمارية في القارة العجوز أيضاً. فعلى سبيل المثال، أعلنت الشهر الماضي كل من شركتي «أموندي» الفرنسية و«شرودرز» البريطانية، وهما أكبر شركات إدارة الاستثمارات في أوروبا عن استصدارهما الموافقات اللازمة على إبرام شراكات بنسب استحواذ مسيطرة مع كيانات صينية.

وما يحدث باختصار هو أن الشركات الغربية لم تستطع مواجهة إغراء المدخرات الصينية الهائلة، وسوق إدارة الأصول التي تنمو في الصين على نحو متسارع. وبحسب أحدث تقديرات متاحة، فقد بلغت قيمة هذه السوق العام الماضي 121.6 تريليون رنمينبي «18.9 تريليون دولار». وعليه، كانت فورة الإقبال الغربي التي تشهدها الأسواق الصينية. إنها علاقة ودّ جديدة بين الغرب والأسواق الصينية، على الرغم من توتر العلاقات السياسية بين الجانبين.

وثمة ظروف مواتية ساعدت على تأجيج هذا الودّ الاقتصادي بين الطرفين. فقد اتجهت الصين خلال الأعوام الأخيرة إلى فتح أبوابها وعلى نحو غير مسبوق أمام الشركات الغربية.

وفي غضون العامين الأخيرين تحديداً، حرّرت الصين الكثير من عناصر نظامها المالي الذي يخضع لإشراف حكومي قوي، وسمحت بدخول عدد متزايد من الشركات الأمريكية والأوروبية إلى أسواقها.

ويُعزَى هذا التغيير في التوجّه الاقتصادي من جانب بكين على الأرجح إلى رغبتها بالاستفادة من الخبرات المالية الغربية في تأسيس بنية تحتية للمدخرات الشخصية يمكنها مساعدة الحكومة في التعامل مع أزمة ديموغرافية وشيكة ناجمة عن ارتفاع عدد المواطنين الصينيين الطاعنين في السن.

خلاصة القول إن بنوك وشركات «وول ستريت» وأوروبا أدارت ظهرها للسياسة بكل توتراتها، وأقبلت بحماس على سوق الأصول الخاصة الصينية. ولم يكن الوقت بأفضل من الآن لهذا الإقبال، بعد أن باتت الصين، والتي يصفها الغرب بأنها أمة من المدّخرين، تضم عدداً من المليارديرات يفوق نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية.

*مراسل صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية في «شنغهاي»

 

طباعة Email