مهددات قيم المواطنة الصالحة

قيم المواطنة الصالحة ركيزة أساسية لنهضة الشعوب والأوطان، حيث يتحلى الفرد بأرفع المبادئ والقيم، التي تجعل منه عضواً صالحاً نافعاً منتجاً في مجتمعه، وتجعله نبعاً متدفقاً بالخير والعطاء والإسهامات النافعة لنفسه وأهله ومجتمعه ووطنه، وسداً منيعاً أمام السيول التي تسعى لإغراق الأوطان بالفتن والصراعات.

وتتجلى أهمية تكريس قيم المواطنة الصالحة في أوقات الشدائد والتحديات، التي تتطلب من الجميع تكاتفاً وتلاحماً واصطفافاً للتغلب عليها، بحيث يكونون جميعاً كالجسد الواحد، مجتمعين في ظل قيادتهم الحكيمة، مؤمنين بأن التعاون والتسامح والتكاتف فيما بينهم، وتغليب مصالحهم العامة، وتعزيز هويتهم المشتركة، ومكتسباتهم المنجزة، مقومات ضرورية لاستدامة ما ينعمون به من ازدهار واستقرار، وسعادة ورخاء.

وذلك يتطلب من الفرد أن يتحلى بالوعي والفطنة والدراية بالمهددات التي تهدد قيم المواطنة الصالحة، وأن يكون حذراً كل الحذر من أي محاولة لاختراق منظومة الوحدة والتلاحم والقيم المشتركة تحت أي اسم أو شعار كان.

ومن أخطر مهددات المواطنة الصالحة، التنظيمات والأفكار الدخيلة والمتطرفة، أياً كان شكلها، والتي تهدف إلى تجاوز قيم الوسطية والاعتدال، سواء كان هذا التجاوز إلى جانب الإفراط أو التفريط، فمحصِّلة كلا الأمرين واحد، وقد شهدت العقود الماضية تنظيمات إرهابية يمينية ويسارية، مارست النهج المسلح للإطاحة بالأنظمة، وسعت لزعزعة أمن المنطقة واستقرارها، بعضها مارس الاستقطاب تحت شعارات دينية، وبعضها تحت شعارات مدنية كالعدالة الاجتماعية وغيرها، واجتمعت كلها على سلب الشرعية من الحكومات، والطعن في المجتمعات، والولاء لزعمائهم ومنظريهم.

وتكوين الخلايا السرية، والتخطيط في الدهاليز المظلمة، وكان مصيرها جميعاً الفشل، حيث تحطمت هذه التيارات على صخور قيم المواطنة الصالحة التي تميز بها أبناء هذه المنطقة، واصطفافهم مع قياداتهم، وتمسكهم بهويتهم وثوابتهم الوطنية، وعدم اغترارهم بتلك الأفكار المتطرفة الدخيلة.

ويتأكد العناية بهذا الجانب مع زيادة حملات الاستقطاب والتأثير عبر الفضاء الإلكتروني المفتوح، الذي أصبح مشاعاً يقتحم كل جهاز وبيت، ما يجعل الوعي المجتمعي والأسري والفردي، أقوى سلاح لحماية المجتمع من تأثيره، كما يتأكد العناية بهذا الأمر أيضاً في ظل تبني أصحاب التيارات المتطرفة استراتيجيات جديدة للتمويه والنشر الناعم لأفكارهم، وانتهاج سياسة دس السم في العسل.

ومن مهددات قيم المواطنة الصالحة أيضاً، حركات التغيير الفوضوية، التي تنتهج النهج الثوري، وترفع شعارات الديمقراطية والحريات والحقوق، وتتسبب في إشعال الصراعات والاحتراب الداخلي في المجتمعات، وتجعل الطريق إلى السلطة عبر الاقتتال بين التيارات المتنافسة.

وقد لاقت هذه الحركات دعماً من القوى التي تطمح للهيمنة والنفوذ، والاستيلاء على ثروات الشعوب، والضغط على الأنظمة والحكومات، فيصبح الفرد الغارق في هذه الحركات أداة ضغط ضد دولته، تتاجر به المنظمات والقوى الخارجية كيفما تشاء لمصالحها الخاصة.

ومن مهددات المواطنة الصالحة كذلك، الأجندات الحزبية، التي تهدف إلى تقسيم المجتمع إلى أحزاب متناحرة، تتصارع كلها على السلطة، وتتسبب بخلافاتها في إضعاف الدولة، وتمزيق نسيجها المجتمعي، وتكون بمثابة حصان طروادة لاختراق التيارات المتشددة للمجتمعات، واستيلائها على أنظمة الحكم، واستحواذها على مقدرات الدول، وتسخيرها لصالح أجنداتها.

كما حصل في بعض الدول في أحداث ما سمي بـ«الربيع العربي»، من اختراق تيارات متشددة لأنظمة الحكم، واستيلائها عليها، مما كاد أن يُدخل المنطقة في أنفاق مظلمة، ولا تزال بعض الدول تعاني من الاستقطاب الحزبي لهذه التيارات.

إن قيم المواطنة الصالحة تقتضي من الفرد أن يجعل مصلحة وطنه فوق أي اعتبار، ويصطف مع قيادته، ويكون داعماً لها لتحقيق رؤاها الاستراتيجية في الارتقاء بالوطن وتطويره، وتحقيق الحياة السعيدة الهانئة لكل من يعيش على أرضه.

وقد أسَّس القادة المؤسسون دولة الإمارات على قيم رفيعة، ومبادئ مشرقة، واعتنوا عناية كبيرة ببناء الإنسان، وتنشئته على قيم المواطنة الصالحة، وتوفير كل ما من شأنه أن ينمِّيه، من تعليم وصحة وخدمات اجتماعية واقتصادية وغيرها، ليساهم في تنمية وطنه، والمحافظة على مكتسباته، والانطلاق مع قيادته الحكيمة نحو مستقبل مزهر.

* رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email