العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    تحية لكل بطل مجهول في حياتنا

    «الجندي المجهول» من العبارات والقيم التي نشأت عليها أجيال متواترة. قليلة هي الكلمات والعبارات المقتضبة في عددها والمسهبة في معانيها. وعلى الرغم من أن نصب «الجندي المجهول» تقليد متبع في العديد من دول العالم، لتكريم الجنود الذين فقدوا حياتهم في الحروب دون الاستدلال على هوياتهم، إلا أن العبارة أوسع وأعم وأشمل من تكريم من فقدوا حياتهم من أجل آخرين، ولا نعرف بالضرورة أسماءهم وأسرهم وقصصهم.

    لكن قصص الآلاف وربما الملايين من «الجنود المجهولين»، سواء الذين رحلوا عن دنيانا، أو الباقين على قيد الحياة، منذ بدء جائحة «كورونا» تفرض نفسها كل يوم. قد تكون تفاصيل القصص غير معلومة، لكن هذه الوجوه المختبئة ملامحها خلف الكمامات والظاهر عملها وجهدها وتفانيها وتضحيتها في كل نفس نتنفسه، تتحدث عن نفسها.

    من منا لم يصب بالفيروس اللعين، أو أصيب به فرد من أسرته أو أصدقائه أو جيرانه؟ ومن منا لم يفقد عزيزاً أو حزن لرحيل شخصية عامة أثرت في حياته بسببه؟ وراء كل عزيز أصيب ونجا أو أصيب ورحل، عشرات الوجوه التي استقبلته في مستشفى أو مركز صحي، وكشفت عليه، وشخصت حالته، ووصفت له الدواء، أو أدخلته غرفة عزل أو عناية مركزة، وسهرت على راحته، وعملت قدر المستطاع للتخفيف عنه ومساعدته على النجاة؟ هذه العشرات من الأبطال بلا وجوه، التي التفت - وما زالت - حول كل عزيز لدينا، ألا تستحق الشكر العلني والاعتراف الجهري وتوجيه التحية لها؟!

    تحية بسيطة في شكلها، عميقة وصادقة في معناها، خاطبت قلبي قبل عقلي أثناء زيارة لواشنطن قبل أيام. فبالإضافة إلى مئات اللوحات المعلقة في أماكن عدة الموجهة للشكر والعرفان للطواقم الطبية والعاملة في الصفوف الأمامية في مواجهة «كوفيد19»، والتي تمولها جهات حكومية أو شركات ومؤسسات خاصة، فوجئت بلوحة مكتوبة بخط اليد ومعلقة على شرفة بيت في شارع جانبي. تقول اللوحة: «شكر كبير للعمال والموظفين والمتطوعين للتخفيف من أثر الوباء. نذكرك في صلاتنا» مذيلة بقلب أحمر مرسوم باليد أيضاً.

    ما أروع العرفان غير المسيس وغير الهادف لمنفعة متبادلة أو رد جميل في المقابل. وإذا كانت كلمة «شكراً» الصادقة أقيم من ورقة بمئة دولار أو جنيه أو درهم، فإن المشاعر الإنسانية الصادقة، والتي تجتاح مليارات البشر حول العالم، خير من ثروات وكنوز الأرض. لماذا؟ لأنها ببساطة تدخل من القلب إلى القلب من دون شرط اختراق الجيب.

    لكن اختراق كل من القلب والجيب قيمة مضاعفة! وأثناء العودة إلى القاهرة طالعت خبراً عن مبادرة إماراتية عنوانها «الأبطال المجهولين» فانشرح صدري. المبادرة تهدف إلى تسليط الضوء وتكريم الأطباء والممرضين والموظفين والإداريين في المستشفيات والمنشآت الصحية العاملين في مواجهة الوباء. جانب آخر من روعة المبادرة المنطلقة من دبي، هو أنها تفتح الباب أمام هؤلاء الأبطال ليس فقط للعاملين في الإمارات، ولكن في الدول العربية كلها. أولئك الذين استمروا في عملهم طيلة الأشهر بالغة الصعوبة الماضية، وعملوا في صمت، وتعاملوا لا عن قرب، بل متلاصقين مع المصابين، وذلك في وقت التزمت الغالبية بيوتها خوفاً من الإصابة. منهم من التقط العدوى، ومنهم من نقلها لأحبابه، ومنهم من فقد حياته بسبب مرضه، ومنهم من نجا واستأنف عمله بعد الشفاء، ومنهم أيضاً من فقد حياته بسبب تفانيه في عمله.

    عمل المبادرة لا يقتصر فقط على فتح باب المشاركة للأبطال للترشح للتكريم وكذلك الحصول على مكافآت، لكن جرى توثيق قصصهم وبثها. أن يعرف الجميع ما يكابده هؤلاء بنقل تفاصيل حياتهم، يكفي لتصل الرسالة إلى الجميع. فالبعض يعتبر عمل هؤلاء الأبطال تحصيلاً حاصلاً. لكن ماذا لو تملك الرعب نصف العاملين في القطاعات الصحية، فالتزموا بيوتهم كغيرهم من عامة الناس؟ وماذا لو قرر بعضهم العمل عن بُعد دون الاقتراب من المصابين؟ ماذا لو رجح بعضهم كفة سلامته الشخصية وسلامة أحبابه وأبنائه وآبائه وأمهاته؟ المؤكد أن حياتنا في ظل الفيروس كانت ستكون أكثر صعوبة وقسوة ومعاناة.

    كثيرون هم الأبطال المجهولون في حياتنا. وهم ليسوا فقط الجنود المجهولين في الخطوط الأمامية في الحروب والدفاع عن الأوطان، حيث القتال بالأسلحة والعتاد. الطبيب والممرض والإداري المستمر في عمله في المستشفى، بطل مجهول، والمعلم المستمر في مهمته التعليمية والتربوية، سواء في الفصل المدرسي أو الافتراضي، بطل مجهول، والموظف العمومي المستمر في إنهاء مصالح المواطنين، بطل مجهول، والمتطوع المتبرع بوقت وجهد للتخفيف عن الفئات الأكثر هشاشة، بطل مجهول. تحية من القلب لكل بطل مجهول ملامحه خلف الكمامة وجلية أعماله في الزمن الصعب.

    * كاتبة صحافية مصرية

    طباعة Email
    #