الأوكسجين شحيح والإنسانية تسود

حتى عام مضى، كان العالم منشغلاً بحروبه الكلاسيكية. صراع مسلح هنا، اقتتال دموي هناك، حروب مياه تلوح في الأفق، حروب جيل رابع وجهود هيمنة على الأعداء عبر منصات عنكبوتية، وإشاعات كونية يجد جميعها اليوم نفسه جالساً على مقاعد الاحتياطي بعد ما أعلنت الحرب الجديدة نفسها سيدة الكوكب.

سيدة الكوكب الفيروسية لم تكتفِ بأن تحط رحالها على مليارات البشر متسببة في 3.24 ملايين وفاة وما يزيد على 155 مليون إصابة، ولا بما أحدثته من فوضى عارمة في اقتصاد العالم، غير مفرقة بين دولة غنية وأخرى فقيرة، أو بما حل بأنظمة التعليم والصحة والضمان الاجتماعي وحتى بصحة سكان الأرض النفسية والعصبية، ولكنها أخذت هذه الآونة منحنى لم يكن على البال أو الخاطر.

خاطر العالم منشغل اليوم بحرب من نوع فريد، إنها حرب الأوكسجين. صدمات «كوفيد 19» الأولى المتواترة شغلت الجميع بين تلقي فاجعة الوباء الأممي في بدايته، ثم اللهث وراء ما يمكن عمله على صعيد ابتكار وتصنيع لقاح في صراع مضنٍ مع الزمن، وبعد المسارعة الزمنية جاءت مصارعة البحث عن العدالة في توزيع اللقاح الآثار الجانبية للقاحات والتي يتخوّف البعض منها لدرجة رفض تلقي اللقاح. وبينما العالم غارق حتى أذنيه في محاولات التعامل مع موجات الفيروس الأولى والثانية والثالثة، إذ بحرب الأوكسجين تطل بوجه بالغ القبح.

مشهد أقارب مرضى «كوفيد 19» وهم يحتضنون أسطوانات الأكسجين الفارغة يجوبون بها يميناً ويساراً آملين في تعبئتها بالغاز العزيز أملاً في إنقاذ قريب عاجز عن التنفس، أو حبيب يصارع من أجل البقاء على قيد الحياة، لا يحذرنا من قرب وقوع كارثة بقدر ما ينبئنا بها.

المؤكد أن سمات المفاجأة التي يحملها الوباء منذ حل علينا، لم تترك للجميع فرصة التفكر والتدبر. اهتمام العالم انصب على اللقاح، ثم مشاحنات التوزيع وعدالته. الجميع لم يلتفت إلى أسطوانة الأوكسجين. واليوم أصبح تداول أخبار أزمات أسطوانات الأوكسجين في المستشفيات في بعض الدول، أقرب إلى تداول لأسرارها العسكرية.

وبتنا نطالع أخبار من راحوا في مشارق الأرض ومغاربها بسبب نقص الأوكسجين، وليس بسبب الفيروس نفسه، بشكل شبه يومي. وتأتي الهند لتستهل فصلاً جديداً من فصول مآسي الفيروس والمعنون «أزمة الأوكسجين القاتلة»!

من كان يتصور قبل عام أن يكون هَمُّ سكان الأرض الأول، بعد احتمالات الإصابة، هو مدى توافر الأوكسجين اللازم لمساعدة غير القادرين على التنفس؟! ومن كان يصدق أن تتأسس روابط وتدشن حملات للمطالبة بعدالة التصنيع والتوزيع وذلك بعد عدالة التحصين؟!

«كل نَفَس يهم» هو اسم التحالف الذي تأسس في مارس من العام المضي والذي بح صوته في محاولة جذب انتباه العالم إلى أن توافر الأوكسجين لا يقل أهمية عن توافر اللقاح، وتوافر العلاجات التي من شأنها أن تخفف حدة أعراض الفيروس اللعين. لكن الاهتمام كله كان من نصيب اللقاح.

الكارثة الحالية التي يواجهها بلد مثل الهند، ويتوقع للأسف أن تلحق بها بلدان أخرى، حيث نقص حاد في الأوكسجين كان يمكن تفاديها، أو على الأقل تفادي جانب كبير منها. لكن البكاء على الأوكسجين الشحيح حالياً لا يجدي، والأفضل النظر والتصرف السريعين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وتجدر الإشارة إلى أن دولاً عدة في العالم تعاني نقصاً في إمدادات الأوكسجين اللازم لحالات مرضية وذلك في زمن ما قبل الوباء.

الأرقام تخبرنا أن العالم في حاجة إلى نحو 27.4 مليون متر مكعب من الأوكسجين يومياً لإنقاذ حياة مرضى «كورونا». لكن مصانع إنتاج الغازات الطبية، ومنها الأوكسجين لم توضع من قبل في وضع طارئ كالذي نعيشه. فهل تتمكن من مضاعفة إنتاجها بسرعة؟ وهل الموارد المالية اللازمة لذلك متاحة؟ وما إمكانية نقل الأوكسجين من دول تملك فائضاً لغيرها لحين علاج «النقطة العمياء» الفادحة في النظام الصحي بعد مرور الكارثة الآنية؟

في هذه الأوقات الحالكة حين تهب دول لمساعدة أخرى بالأوكسجين فهذا يعني أن الإنسانية تسود. مصر أرسلت أسطوانات أوكسجين وأجهزة تنفس صناعي وتخطيط قلب وصدمات كهربائية وغيرها إلى الهند. الإمارات، كعادتها، سارعت للمساعدة لكل من الهند وغزة، وكذلك السعودية وعدد محدود من الدول في هذه الأزمة الطاحنة المولودة من رحم الأزمة الأوسع، ألا وهي الوباء.

الوباء الآخذ في الكشف عن وجوه تنافس بعضها البعض في الفداحة، آخذ كذلك في الكشف عن وجوه إنسانية وتضامنية نابعة من دول لم ترفع شعار «ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع». ويظل الوباء يلقننا دروساً بالغة القسوة ويكشف كذلك عن وجوه بالغة الإنسانية.

 

 

طباعة Email
#