في الأزمات.. المهمّ من الأسرع ومن الأنجع؟

مثّل التعاطي مع جائحة «كورونا» عاملاً أساسياً وحاسماً في تحديد مدى تقدّم المجتمعات والدول، وقد تكون الإمكانيات المادية لعبت دوراً مهمّاً في حرب بعض هذه الدول والمجتمعات ضدّ هذا الوباء الذي فتك بنمط عيش الإنسانية وباقتصاداتها، ولكن الاعتقاد يسود الآن بأنّ الإمكانيات المادية وحدها قد لا تكون كافية إذا غابت عن الجهات المسؤولة الإرادة الفعلية في تجاوز المطبّات والتحدّيات التي تعيق تجدّد الانطلاقة الاقتصادية في مناخ سياسي وصحّي ينعم فيه المواطن بالحرّية والسلامة الجسدية.

إنّ أكثر الدول تضرّراً هي تلك الدول الذي تعوزها الإمكانيات المادية والمعرفية، ولكن ما تمّت معاينته بوضوح، هو أنّه حتى في بعض الدول والمجتمعات العريقة في الديمقراطية أو المصنّفة في خانة الدول الغنيّة، فشلت هي الأخرى في مجابهة الوباء وحرمت بالتالي شعوبها من إمكانية الاستفادة من تجدّد الانطلاقة الاقتصادية، وذلك نتيجة لغياب الإرادة السياسية في الحرب ضدّ هذه الجائحة لاعتبارات مختلفة، منها التوظيف السياسي ومنها غياب وضوح الرّؤية.

ولم يعد يخفى أنّ المقارنة تفيد بأنّ اختلاف التعاطي بين الدول والمجتمعات مع مسألة اللقاحات، حدّد بشكل كبير جاهزية الدول والمجتمعات، وتحديداً العربية منها، لمرحلة عودة الرّوح لاقتصادات هذه الدول والمجتمعات من عدمه، فقد أضحى بيّناً أنّ التقدم الذي عرفته عدد من البلدان والتأخير الكبير لبلدان أخرى، كانت له انعكاسات على المستوى الاقتصادي.

وبدا من المنطقي أنّ الدول والمجتمعات التي توفّرت فيها الإرادة السياسية، واستثمرت في مجالي اللقاحات والدواء، أصبحت مؤهّلة أكثر من غيرها لقطف ثمار سياساتها وقراراتها الناجعة والاستباقية. وعلى العكس من ذلك، فإنّ المجتمعات والدول التي جعلت من وباء «كورونا» مصدراً لخلافات سياسية إضافية، وضيّعت أوقاتاً ثمينة في المهاترات السياسية العقيمة، تواجه الآن مصيراً بائساً.

دول انهارت فيها المنظومات الصحّية، وتداعت فيها المؤشّرات الاقتصادية بشكل غير مسبوق وغير قابل للتدارك في بعض الأحيان، دول خيّرت الخوض في التفاصيل الركيكة وعديمة الجدوى والمعنى، وتاهت عن الأساسيات التي تجعل من مجتمع ما على درجة من العلوّ والتقدّم والحرّية، إذْ لا حرّية ولا تقدّم ولا علوّ لدول ومجتمعات تنخرها الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتعصف بها الأوبئة، وهي تقف عاجزة أو تمارس سياسة النعامة والهروب إلى الأمام، والتخفّي وراء مسائل هامشية حتّى تتجنّب مواجهة التحدّيات، وحتى تتفصّى من مسؤولياتها.

إنّ البلدان التي شهدت تطوراً كبيراً في مجال اللقاحات هي التي عرفت الخروج من الأزمة الاقتصادية بوتيرة أسرع، وهي البلدان ذاتها التي أبانت عن رؤية وأجندة على درجة من الوضوح والأمل، وأعلنت عن مواعيد مضبوطة بشأن العودة التدريجية والفعلية للحياة الطبيعية.

ومقابل مثل هذا الوضوح، عمّت الفوضى والضبابية دولاً ومجتمعات أخرى فشلت في التعاطي مع أزماتها الاقتصادية والسياسية قبل وباء «كورونا» وبعده، وتفنّنت في إضاعة الوقت إلى حدّ يُخشى معه أن يكسب الموت فيها معركته مع الحياة.

إنّ الحلول الوهمية للمشكلات الحقيقية من شأنه أن يزيد في حدّة المآسي التي تعيشها شعوب هذه المجتمعات والدول، وقد دأب بعضها على اتّخاذ إجراءات تبدو في مطلقها سليمة، ولكنّها في واقع الأمر تدابير في غير توقيتها وفي غير مجالها.

إنّ ما تبقّى من سنة 2021 سيكون بالتأكيد حاملاً لبشائر على المستوى الاقتصادي بالنسبة للدول والمجتمعات التي استثمرت في المعرفة وفي القرارات الحدّية والصائبة، وهو ما سينعكس بالضرورة على المجالات الأخرى.

إنّ جائحة «كورونا» أظهرت لا محالة، بعض ملامح القبح الذي لازم تاريخ الأمم والشعوب، ومن ذلك تنامي الانتهازية والأنانية والميل إلى الحلول التي يغيب عنها طابع التضامن الإنساني، وتنامي تأثير اللوبيات المختصّة، ولكنّها كشفت في المقابل عن إمكانية الحلم بمجتمع آخر تحكمه العقلانية والمعرفة والإرادة السياسية في خدمة الأوطان، ولا يغيب عنه التضامن بين الأمم والشعوب، وهو ما يبيح للإنسان الانخراط في نسق قيمي جديد، أساسه المعرفة والأخلاق والحريّة والتضامن بين الأمم والشعوب، شريطة أن تتوفّر في من يريد إدارة الشأن العام، عوامل تقديس المعرفة وحسن النيّة، والإرادة الحقيقية والصادقة في خدمة الأوطان، وأن ينأى بذاته عن توافه الأشياء والمطامع.

إنّ حسن التدبير في واقع الأزمات هو الذي يميّز حاكم دون غيره، ومن حسن التدبير في الأزمات، سلامة اتّخاذ القرار وتحديد توقيت ووتيرة التحرّك، وهذا إذا توفّر عامل المعرفة والرغبة في هدم أوثان الجهل والخرافة، التي عمّت المكان خلال عشرية «الربيع العربي» بفعل فاعل معلومٌ جاء من الماضي حاملاً كماً رهيباً من الأحقاد ضدّ الحياة وضدّ الحرّية.

 

 

طباعة Email