«إخوان» ليبيا وفشل إعادة التموضع

مسرحية مكشوفة، أبطالها كاذبون، سيناريو قديم، ومضمون دموي، وطريقة تقليدية، أثبتت فشلها عبر تجارب في دول عدة.

إعلان تنظيم جماعة «الإخوان» الإرهابية في ليبيا، عن تحوّله في الأيام الماضية، إلى جمعية تحمل اسم «الإحياء والتجديد»، هو مشهد جديد من مشاهد الخداع التي اعتادتها الجماعة منذ تأسيسها عام 1928، فمن يتأمل تفاصيل أدبيات التحول داخل الجماعة عبر أزمنة عدة، يتأكد له أن الانتقال من مربع إلى آخر، أمر لا يخضع لديهم إلى أي معايير، ما دام يندرج تحت المنهج التكتيكي للجماعة.

«إخوان ليبيا»، لم ينفصلوا عن طبيعة وأهداف التنظيم الدولي، فالوضع على الأرض بالنسبة إليهم بائس، حصار الشعوب يضيق عليهم، فشلوا في جميع تجاربهم التي وصلوا فيها إلى الحكم.

تنظيم «الإخوان» في ليبيا، سيطر في بعض المراحل على القرار السياسي، وتمكن أعضاؤه وقادته من الهيمنة على مؤسسات الدولة، لكنهم - كالعادة - انشغلوا بالسلطة وبمشروعاتهم الخاصة، رفعوا شعار «الشعب في خدمة الإخوان» فخسروا الشعب والسلطة، صارت الجماعة منبوذة، وغير مرغوب فيها، وافتضح أمرها لدى الشعب الليبي.

هذا، فضلاً عن أن بصمات «الإخوان» الدموية دامغة في ليبيا، فقد أثبتت الوثائق والمعلومات، أنهم كانوا حلفاء لجميع التنظيمات الإرهابية، التي روعت وقتلت الشعب الليبي، وأثارت الفوضى، ومارست التخريب داخل مؤسسات الدولة.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا لجأت جماعة «الإخوان» الإرهابية، في هذا التوقيت، إلى البحث عن مظلة جديدة باسم «الإحياء والتجديد»؟

في الحقيقة، هناك العديد من الدوافع، في مقدمتها إدراك الجماعة - نفسها - للمستوى غير المسبوق من التراجع والانحدار والرفض من جانب الشعب الليبي، بعدما تم كشف ألاعيبها، ورهن مقدرات الشعب الليبي لخدمة الجماعة والتنظيم الدولي، أيضاً وصول الجماعة الإرهابية إلى حالة عميقة من الانقسامات والانشقاقات، التي أدت إلى فقدان مصداقيتهم لدى الرأي العام الليبي، ومن ثم، تعميق الصراعات والخلافات بين قادة ومسؤولي التنظيم، ما أدى إلى إغلاق الكثير من مكاتب التنظيم في معظم مدن الغرب الليبي، الأمر الذي زاد من حالة العزلة بين التنظيم والشارع.

هذا التحرك من «إخوان ليبيا»، يؤكد حالة الانهيار والتراجع والارتباك التي تمر بها فروع التنظيم الدولي في المنطقة.

بل إنها تعكس حالة الرفض الدولي لكل ما هو مرتبط باسم «الإخوان»، سيما بعد أن أدرج العديد من القوى الإقليمية والدولية، اسم جماعة «الإخوان» كتنظيم إرهابي، ومن ثم وجدت نفسها في الخلاء غير مرحب بها، وسقطت أقنعتها أمام الدول، بعد أن كشفت أجهزة الاستخبارات الدولية تورطها في نشر الإرهاب والفكر المتطرف، من الفلبين شرقاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية غرباً.

وسط كل هذه المتغيّرات، التي تمر بها ليبيا الآن، وفي القلب منها تنظيم «الإخوان»، لجأت الجماعة إلى إعادة تموضع بأسماء أخرى، لتقدم نفسها من جديد، وفق رؤية ومراجعات تمت خلال الشهور الماضية مع أقطاب التنظيم الدولي، هذه الرؤية تهدف إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب في الاستحقاقات الانتخابية الليبية المزمع تنظيمها 24 ديسمبر المقبل. وذلك ظناً من الجماعة بأنها تستعيد عافيتها بشكل جديد، وأنهم يستهدفون - حسب تقدير قادة التنظيم - تغيير الصورة الذهنية والنمطية الإرهابية التي لازمتهم، عبر تاريخهم الأسود، سواء في ليبيا أم في المنطقة بأكملها.

بعد هذا الطرح، نستطيع القول: إن محاولة تحول «الإخوان» خطوة فاشلة تؤكد يأساً شديداً، وإحباطاً عميقاً لدى قيادات الجماعة، ومن ناحية أخرى، فإن ردود أفعال الرأي العام الليبي والعربي، تقودنا إلى نتيجة غاية في الأهمية، وهي أن الشارع الليبي ليست لديه رغبة في إعادة الروح من جديد، إلى جماعة كانت السبب الرئيس في انهيار الدولة الليبية، ووصولها إلى المشهد الحالي.

 

* رئيس تحرير «الأهرام العربي»

طباعة Email
#