جامعة الدول العربية والدور المأمول (2 - 2)

يعيب البعض على جامعة الدول العربية أن معظم موظفيها من دولة المقر، وهذا اتهام يجب أن يوجه إلى الدول التي لا ترشح موظفيها لشغل المناصب والوظائف المتاحة، علماً بأن الجامعة تعمم على الدول كلما شغرت وظيفة قيادية، ولكن لا يوجد من يتقدم لهذه الوظائف، من غير دولة المقر إلا نادراً.

كما أن البعض يرى المبالغة في حجم ميزانية الجامعة، وما دروا أن بعض الدول لا تلتزم سداد حصصها في الميزانية، وبعضها ممن لا تزيد حصصها على 1 أو 2 في المئة تتوقف عن السداد حتى تتجمع أرصدتها المدينة، لتحصل على الإعفاء، وهذه الدول هي التي تكون سبباً في رفع الميزانية، فكلما طرحت الأمانة العامة مشروعات وتمت مناقشة موازنتها، لاقى المشروع المقترح تأييداً من هذه الدول وأجيز بالأغلبية، ما أدى إلى ارتفاع ميزانية الجامعة، وكم عانت اللجنة الدائمة للشؤون المالية والإدارية من ذلك، كما أن عدم التزام الدول القرارات التنظيمية، لم يساعد على تمكين الجامعة من عملية تطوير الأداء، فعلى سبيل المثال، فإن كبار الموظفين بالجامعة مرتبطون بعقود، وكلما انتهت فترة أحدهم بادرت بعض الدول بتبني طلب التمديد له، ولو كان أداؤه لا يرقى للمأمول منه.

وكما أذكر فيما أذكر أن لجنة شكلت عام 1978 لدراسة تعديل ميثاق الجامعة، واستمرت تعقد اجتماعاتها ولا أظن أن مشروع التعديل قد أنجز حتى تاريخه. إن آفة الجامعة في الدول الأعضاء كما ذكرت سلفاً.

لقد تقدم الأمين العام الأسبق الشاذلي القليبي باقتراح تعديل مشروع قرار تقدمت به إحدى الدول، بعد جدال كبير بين الحضور، فرد عليه وزير خارجية الدولة صاحبة الاقتراح رافضاً منه التعديل. وهو يقول كيف للأمين

العام أن يعدل مشروع قرار تقدمت به أنا؟ هل نسي أنني أملك قرار تعيينه وعزله؟ وفي اجتماع لمجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين تقدم مندوب إحدى الدول، من دول الثقل العربي باقتراح خالفه أحد المندوبين الرأي في اقتراحه، فما كان منه إلا أن طلب العودة إلى بند أقر قبل ما يقرب من ثلاثين بنداً على جدول الأعمال طالباً تسجيل تحفظه عليه لأنه يخص دعم دولة ذلك المندوب المخالف، قائلاً كيف تتحفظ على قرار تبنيته أنا؟ وقس على ذلك قرارات أخرى تتخذ حسب الأمزجة، من دون مراعاة للمصلحة العربية. هذه وغيرها من الأسباب أدت إلى إضعاف دور الجامعة. فالقضية إذاً مسألة اقتناع بالجامعة ودورها، وأهمية تصدرها للقرار العربي المجمع للجهود.

إذاً لا بد من إعادة النظر من قبل الدول تجاه الجامعة، والإسهام في تطوير ميثاقها بما يخدم هذا التطوير. وكذلك العمل على ترشيح الدول للكفاءات من أبنائها للعمل بالجامعة، لا أن يكون التعيين حسب الكوتة، وإنما للأجدر والأكثر فائدة للوظيفة المرشح لها.

يضاف إلى ذلك إعادة مسؤولية العمل العربي وصناعة قراره إلى إدارات الجامعة. والعودة عن نظام المنظمات والوكالات المتخصصة المتعددة والتي جاء تأسيسها محاكاة للأمم المتحدة، وجاء نشاطها لاقتراح الأنظمة والقوانين، ولتنسيق المواقف العربية في المنظمات الأممية، ولكنها تستنزف أموال الدول للصرف على المقار والموازنات التشغيلية، في حين أنه يمكن الاستفادة عوضاً عنها من بيوت الخبرة ومراكز الدراسات العربية المتطورة لإعداد الدراسات المطلوبة.

وبما أن الكثير من دولنا العربية حققت منجزات كبيرة في التنظيم والإدارة والبرامج التنموية، فيمكن الاستفادة من هذه التجارب الناجحة، وتعميمها على الدول الأخرى وفق ظروفها وإمكاناتها.

وكذلك فإن مكاتب الجامعة في بعض الدول غير العربية، والتي كان الهدف منها رصد المواقف الدولية، والتعريف بالمواقف العربية تجاه القضايا الدولية، وبالقضايا العربية، الآن لم تعد لها تلك الأهمية للقيام بهذه الأدوار في ظل التواصل الرقمي، وإمكان الرصد والتعريف بما تريد الجامعة عن بُعد. لتعود للجامعة هيبتها، والاقتناع بدورها، واحترام القرارات التي تتخذ تحت قبتها، بذلك نستطيع أن نجعل من الجامعة هيئة نفخر بها نحن العرب جميعاً، وتحقق المأمول منها.

طباعة Email