هجمات مرتدة!

كما كان متوقعاً، بدأت الحملات المرتدة على اتفاق المبادئ الذي وقعه قبل نحو أسبوعين رئيس مجلس السيادة في السودان عبد الفتاح البرهان، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال عبد العزيز الحلو، برعاية سلفا كير رئيس دولة جنوب السودان. ويقضي بفصل الدين عن المجال السياسي، وليس عن المجتمع، كما تروج تلك الحملات، التي تقودها بقايا حكم الإنقاذ وأنصاره، والأحزاب ذات الصبغة الدينية والطائفية. 

الاتفاق من شأنه أن يقود الحركة الشعبية المسلحة، التي تنشط في جنوب النيل الأزرق وكردفان، إلى إلقاء السلاح، والاندماج في الجيش الوطني السوداني. وقد يشجع نجاحه، على جذب الحركات المسلحة الأخرى في دارفور وغيرها من المناطق، للإقدام على الجلوس إلى مائدة التفاوض، لينهي السودان حرباً أهلية، اندلعت في أرجائه منذ بدايات استقلاله، قبل نحو 66 عاماً.

ولا تزال مستمرة حتى الآن. أما السبب، فيرجع إلى عجز النخب السياسة المتعاقبة على حكم السودان، في التعامل بالطريقة التي تقتضيها حقوق المواطنة، ويدعمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مع التنوع العرقي والديني والثقافي والقبلي والقومي، التي تميزت به التركيبة الاجتماعية السودانية. وبدلاً من أن تعتبر ذلك التنوع ثراء لتلك التركيبة، وإغناء لها، عدته عبئاً عليها، بل عدواً لها! 

وفي ظل أنظمة الحكم الاستبدادية العسكرية والمدنية، تم اختزال هذا الثراء في التنوع، إلى معادلات رقمية، تستخدم بتنطع معايير الأقلية والأغلبية الدينية، لفرض وحدة قسرية على أبناء السودان.

وحتى في فترات الحكم الديمقراطي، انتابت النخب الحاكمة حالة من الانتهازية السياسية، تغاضت خلالها عن الفائدة المؤكدة من الفصل بين الدين والسياسة، خوفاً من أن يفقد من هم في السلطة أصوات المتدينين في أي انتخابات، بدلاً من السعي لإقناعهم أن ذلك الفصل الذي يسمى في الأدبيات الفكرية بـ«العلمانية»، لا يمس عقائد المسلمين، بل هو يجعل التدين شأناً شخصياً بين الإنسان وخالقه، ويلزم الدولة بالحياد بين الأديان، وبعدم التمييز بين المواطن وبين المؤمن، ويبعد الدين وهو مطلق ثابت، عن المجال السياسي النسبي والمتقلب. 

كنت في الخرطوم أثناء ثورة أبريل 1985، التي أطاحت بنظام النميري، وسألت رئيس المجلس العسكري الحاكم أنذاك المشير سوار الذهب، لماذا لا تستخدم السلطات الممنوحة لك لإلغاء قوانين سبتمبر، التي قمعت الشعب السوداني، وقتلت مفكريه، واضطهدت النساء، وحاربت غير المسلمين من أهله، وحرمت ما أحل الله، وهي تهتف باسم الدين والشريعة؟

فأجابني في حوار منشور، نحن سلطة انتقالية، وسنترك أمر تلك القوانين للحكومة الجديدة المنتخبة، للقيام بإلغائها، إذا أرادت. لكن الحكومة المنتخبة لم تكن تريد.

وبقيت تلك القوانين، لتصبح الجسر الذي عبرت منه جماعة «الإخوان» لتنفذ انقلابها، ولتحكم السودان نحو ثلاثين عاماً فتقسمه شطرين، بسلاح ما اسمته تطبيق الشريعة، فلا تكتفي بنهبه وتجريفه من كفاءته، وأخونة مؤسساته المدنية والأمنية، وهجرة مواطنيه، بل بنقل الحرب الأهلية من الجنوب إلى الشمال والوسط والغرب.

وحينما قال زعيم الجماعة، الرئيس السوداني السابق عمر البشير، إذا كان انفصال الجنوب ثمناً للحفاظ على الشريعة، فليذهب الجنوب إلى الجحيم، كان من المنطقي أن يصوت الجنوبيون في الاستفتاء لصالح الانفصال وقيام دولتهم المستقلة. 

خاض الشعب السوداني كفاحاً مريراً ومجيداً للتخلص من حكم جماعة «الإخوان»، وها هو الحكم الجديد الذي تشارك فيه قوى وأحزاب ساهمت في إسقاط الجماعة، ينجح في التوصل لاتفاق يوقف النزاعات المسلحة، ويحظر امتلاك السلاح لغير الدولة، ويحول دون انشطار جديد في أقاليمها. 

وينص الاتفاق على تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية، تضمن حرية الممارسات الدينية والعبادة، ولا تفرض ديناً على أي شخص، ولا تتبنى ديناً رسمياً، وتكون غير منحازة، فيما يخص الشؤون الدينية، وشؤون المعتقد والضمير، وتحقق العدالة في توزيع السلطة والثروة لكل الأقاليم، بما يقضي على التهميش التنموي والثقافي والديني، وتضمين تلك المبادئ في الدستور. 

لا يحتاج الشعب السوداني من أحد أن يعلمه دينه، ومعركته الراهنة تقتضي حشد قواه للتصدي لتلك الحملة المرتدة، التي تسعى إلى الخلط بين الاتفاق وبين الإلحاد والكفر، لحرمانه من فرصة واعدة، لوقف النزاعات المسلحة، واسترداد وحدة أراضيه، وإعادة بناء مؤسسات دولته الجديدة. 

 * رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

 
طباعة Email