لأنَّ المرأة تستحق

متابعة «أزمة» اليابان في ما يتعلق بمسائل المساواة بين الجنسين، تعاود فتح الباب أمام طوفان من الأسئلة والأفكار حول الجنسين وأدوارهما الثابتة والمتغيرة، ومدى رغبة سكان الكوكب في أن يصبح الجنسان متساويين باستثناء التكوين البيولوجي لكل منهما، وعلاقة الثقافة بكل ما سبق. ويظن البعض أن اليابان لا تعاني مشكلات في ما يختص بحقوق النساء ومكانتهن في المجتمع لمجرد أنها في القلب من دول العالم الأول، بل ضمن مجموعة دول السبع. ولكن الحقيقة عكس ذلك. الضجة الكبرى التي تسببت فيها تصريحات رئيس اللجنة المنظمة لدورة ألعاب أولمبياد طوكيو المفترض انعقادها هذا العام، يوشيرو موري تقول الكثير. قال الرجل إن النساء يتحدثن أكثر مما ينبغي في الاجتماعات، فانقلبت الدنيا ولم تهدأ قليلاً إلا بعدما تقدم باستقالته. ولكن تظل معضلة المساواة ورضاء النساء في اليابان عن أوضاعهن قائمة.

تقرير الفجوة بين الجنسين السنوي الصادر قبل أيام عن «منتدى الاقتصاد العالمي» يحمل مفاجآت عدة. التقرير الذي يرصد التفاوت بين الجنسين في 156 دولة في أربعة مجالات وهي: التعليم والصحة والفرص الاقتصادية والتمكين السياسي، يشير إلى أن اليابان تحتل المرتبة الـ120، وهو ما يعني تدهوراً عما كانت عليه من قبل. فكانت في المرتبة الـ110 في عام 2018 مثلاً، وذلك بعد خطوات اتخذتها الدولة لدعم النساء في مجالي العمل والاقتصاد. ولكن يبدو أن التركيبة الثقافية في اليابان معقدة، ولكننا في هذا الجزء من العالم قادرون على فهمها. فنمط الأسرة والحياة في اليابان يشجع ويدعم عمل الأزواج ساعات طويلة لتأمين دخل جيد للأسرة، في حين تقع مهام البيت والأطفال على عاتق الزوجات. وعلى الرغم من ملامح تململ وغضب بين الشابات جراء هذا النمط، إلا أن ثقافة الحرج من الجدال، ولا سيما مع الأكبر سناً، تجعل الحديث الغاضب في قضايا مثل المساواة والرغبة في التغيير حديثاً غير مرغوب فيه. وكانت النتيجة مشكلة ديموغرافية، إذ أن الشابات الراغبات في العمل والتميّز إما ينجبن عدداً أقل من الأطفال، وإما لا ينجبن من الأصل. وهناك من يضحّين بطموح التميز فيرضين بعمل بعض الوقت ما يعوّق فرص الترقّي والتفرّد.

وبينما وضع النساء في اليابان يثير التعجب، ننظر إلى النساء في منطقتنا بقدر أكبر من الاندهاش، ولكن لأسباب مختلفة.

صحيح أنهن لسن في أفضل حال. وصحيح أن الكثيرات يعانين لأسباب مختلفة، وبدرجات متفاوتة، إذ الثقافة والتفسيرات المتشددة للدين والصراعات والفقر وغيرها. ولكن صحيح أيضاً أن لدينا قصصاً عربية وطنية يحتذى بها في مجال تمكين النساء من التميز والتفرد والنجاح.

لدينا مثلاً دولة الإمارات التي تتصدر تقرير هذا العام عربياً، وتبوّأت المرتبة الـ72 متقدمة 48 مركزاً في عام واحد، وذلك بعدما كانت في المركز الـ120 الذي تتبوأه اليابان. ليس هذا فقط، بل إنها حصلت على المركز الأول عالمياً في أربعة مؤشرات فرعية في التقرير.

وهنا تستوقفنا عوامل الثقافة التي يحلو لنا أن نعلق عليها الكثير من إخفاقات عدة، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالإناث. فالإمارات العربية المتحدة، دولة عربية ذات ثقافة عربية بامتياز. ورغم ذلك، تمضي قدماً في تمكين نسائها وفتياتها، وبالتالي تمكنهن من التميز بجدارة، وذلك من دون إخلال بقواعد الأصالة لدرجة أن تمكين النساء صار جزءاً من الثقافة الإماراتية الحديثة. ويكفي مثلاً أن النساء يشكلن نحو 80 في المئة من الفريق العلمي لبرنامج الفضاء. وفي مصر، تبذل جهود حثيثة لإعادة المرأة المصرية لمكانتها التي تستحقها ورونقها الذي نالت منه عقود طويلة من التغييب الثقافي والسياسي. فبين تعيين عدد غير مسبوق من الوزيرات، وبزوغ نجم مئات الكوادر النسائية في مجالات مختلفة، من مصارف وتنمية وآثار وسياحة وتخطيط وغيرها، وخطوات تسابق الزمن لتخليص المرأة المصرية مما لحق بها من تخريب على أيدي جماعات الإسلام السياسي، تمضي مصر قدماً في طريق التمكين.

ولكن الوباء يأتي بما لا تشتهي النساء، ويخبرنا التقرير أن جائحة «كورونا» أعادت جهود تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة عقوداً إلى الوراء. ويُتَوَقع أن يستغرق تحقيق المساواة المنشودة عالمياً 135،6 عاماً بالتمام والكمال. ورغم أن الفجوة الأكبر تقع في منطقتنا العربية، حيث تمتد الأعوام إلى 142 عاماً لسدها، إلا أن وتيرة التمكين لو مضت كما تفعل دول مثل الإمارات ومصر والسعودية، فإنها قادرة ليس فقط على اللحاق بركب المساواة، بل ربما تحقيق المزيد من الأرقام القياسية والقصص الملهمة وتقديم نماذج يحتذى بها في مجال تمكين النساء من دون ذريعة الثقافة أو مبرر الخصوصية، ومن دون قلب التركيبة الديموغرافية رأساً على عقب، ومن دون التسبب في حرج فتح النقاش مع الكبار، وذلك لأن المرأة تستحق.

* كاتبة صحافية مصرية

طباعة Email