العراق فى زيارة الأشقاء

جبال التحديات تمحوها الإرادة، الوطنية عنوان لا يخطئه رجال الدولة، واسترداد عافية الأوطان يحتاج إلى مزيد من العزيمة والقرارات الحاسمة.

الضربات التي تعرض لها العراق طوال العقدين الماضيين أنهكت بنيته السياسية والاقتصادية، ومحاولات التربص ببلاد الرافدين كانت ورقة لعقد الصفقات والمساومات على حساب استقرار الشعب العراقي.

أياد سوداء لعبت بمقدرات البوابة الشرقية للعرب، تنافس عليها دعاة الطائفية، والإرهاب والفساد، احتلها «الكاوبوي»، وصارت مسرحاً لتجاذب أجندات إقليمية متصارعة، حاولوا تمزيق خرائطها، ظنوا أن التقسيم قادم لا محالة، السيناريوهات التخريبية عديدة ومتنوعة، لكن شموخ بغداد التاريخي استند إلى جغرافيا الوحدة والتماسك، وظلت سفينة العراق تواصل البقاء حتى رفعت راية الأمان على شاطئ الاستقرار، تعاقبت عليها حكومات بألوان سياسية مختلفة، أخفقت أحياناً، ونجحت أحياناً أخرى.

مصطفى الكاظمي، رئيس الحكومة العراقية يعرف جيداً قاموس بلاده، ويدرك بعمق أهمية وقيمة حضارتها، ودورها التاريخي في تشكيل وجدان العالم منذ آلاف السنين، فمنذ مجيئه، وضع لبلاده جدول أعمال داخلياً وخارجياً، عنوانه العروبة وتقوية مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض التجاذبات الإقليمية والدولية، لم يقبل أن تكون بغداد مكاناً لتصفية الحسابات أو عقد الصفقات.

من يقرأ تحركاته على مختلف الصعد، يتأكد له أننا أمام رجل دولة من طراز خاص، بدأ بترتيب البيت العراقي من الداخل، مد يديه لخدمة شعبه، ووقف على مسافة واحدة من الجميع، فالتفّت حوله كل فئات الشعب، فتح الحوار مع جميع الأحزاب والمكونات السياسية، فأثبت أنه مفاوض بارع، ينحاز للأجندة الوطنية، وترسيخ أركان الدولة التي هشمتها تداعيات وأطماع الاحتلال والإرهاب، قاد بوضوح معركة ضد التنظيمات الإرهابية، ونجح في إجهاض محاولات إحياء «داعش» من جديد، ضرب بيد من حديد منابع الفساد، وعمل بكل قوة على تحقيق تعافي الاقتصاد، الذي تهاوى خلال السنوات الماضية، قام بدور «الطبيب العام» لعلاج الأمراض المستعصية، وكتب «روشتات» علاجية، أتت بنتائجها التي أشاد بها الجميع، واستطاع خلال عام من توليه المهمة أن يكسب مزيداً من الأصدقاء، ويقلل مساحة الأعداء.

بالتوازي اتخذ مسارات أخرى تتعلق بالملفات والقضايا الخارجية، جاءت حساباته صحيحة، عندما انفتح على جيرانه العرب، فالتاريخ يشهد بأن عروبة العراق لا تنفصل عن استقرار الأمن القومى العربي، جولاته الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، إنما هي خطوات هدفها البناء على ركيزة أساسية، صاغها مع مصر والأردن، من خلال آلية التعاون الثلاثي، التي أعطت زخماً غير مسبوق للعلاقات المصرية- العراقية- الأردنية في جميع المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، ومن يقرأ رسالة الترحاب الشديد في السعودية والإمارات، وما تمخض عن الزيارتين من معاهدات واتفاقيات وبروتوكولات، يؤكد أننا أمام نواة لتشكيل كتلة صلبة، تكون بمثابة منصة لإطلاق عمل عربي مشترك، يواجه التحديات ويستكشف مزيداً من الفرص، التي تستفيد منها كل الشعوب العربية.

وهنا لا بد أن نتوقف أمام المؤشرات المهمة، التي تفضي إلى عودة العراق إلى محيطه العربي والإقليمي، واستعادة دوره المحوري في تحقيق الاستقرار والسلام والرخاء في المنطقة، لا سيما أن التحديات لا تزال قائمة، وتحتاج إلى يقظة عروبية مشتركة لحماية خرائط الاستقرار، وهذا يتطلب منا نحن العرب مزيداً من تعميق هذه الزيارات والمشاورات، والتكاتف من أجل صياغة أهداف عربية مشتركة، تسعى للحفاظ على مفهوم الدول والوطنية، يكون العراق فيها كما كان، رقماً فاعلاً ومحورياً، فغياب العراق يمثل خريطة عربية ناقصة، تسمح بالنفاذ لكل طامع في الجسد العربي.

طباعة Email