«وِحْدَة ما يغلبها غلّاب»!

في 22 فبراير الماضي، مرت الذكرى 63 للوحدة بين مصر وسوريا، من دون أن يحتفي بها أحد، اللهم بعض تعليقات صحفية متناثرة هنا وهناك، وأغلبها رسا على الأبواب الصحفية الذائعة «حدث في مثل هذا اليوم». واكتفت إذاعة الأغاني القاهرية بافتتاح برامجها الصباحية بأغنية «وِحْدَة ما يغلبها غلاب» التي كتبها بيرم التونسي، ولحنها عبدالعظيم عبدالحق، وغناها محمد قنديل.

هل يعود ذلك إلى أن حلم الوحدة العربية الذي عاشه الجيل الذي أنتمي إليه، قد غدا عصياً على المنال؟ وهل لذلك علاقة بفشل التجارب الوحدوية التي تمت في الثلث الثاني من القرن العشرين من الوحدة الاندماجية المصرية - السورية، إلى الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق؟

التجربتان الوحدويتان تتشابهان في أن أسباب فشلهما متقاربة، وأن الأطراف التي تملّكها الحماس لإتمام الوحدة الاندماجية، والأخرى التي تفاوضت على إعلان الوحدة الثلاثية، لم تكن قضية الوحدة هدفاً مقصوداً لذاته لديهم، بل كانت في الواقع قضية صراع داخلي في دمشق وبغداد على السلطة.

وفي أول اجتماع لمجلس الوزراء المصري بعد الانفصال، في 19 أكتوبر 1961، حكى الرئيس المصري جمال عبدالناصر لوزرائه قصة إتمام الوحدة. ووفقاً لما ذكرته الدكتورة هدى عبدالناصر في أحاديثها وكتاباتها، قال عبدالناصر إنه فوجئ في 14 يناير 1958، بوصول طائرة سورية إلى مطار القاهرة، بها وفد من عشرين ضابطاً سورياً. التقى الوفد المشير عبدالحكيم عامر، قائد الجيش آنذاك، وقالوا له إن سوريا في خطر، وإنها مقبلة على كارثة أن ينقض الشيوعيون بها على السلطة، وإن الحل الوحيد للحيلولة دون ذلك، هو إتمام الوحدة مع مصر فوراً.

وحين قابل عبدالناصر الوفد في اليوم التالي، قال لهم إن الوحدة لا يجب أن تقوم على أساس عاطفي، وإنه لن يقبل بإقامة وحدة بتلك السرعة، فهي تحتاج إلى خمس سنوات على الأقل. وما حدث بعد ذلك معروف، ابتزاز عاطفي صارخ لعبدالناصر، وتنظيم مظاهرات جماهيرية في دمشق تطالبه بالوحدة. وبعد 12 يوماً فقط من هذا اللقاء، تم التوقيع على ميثاق الوحدة بين الرئيسين عبدالناصر وشكري القوتلي.

وما كادت دولة الوحدة تقوم، حتى انتعشت القوى المناهضة لها داخلياً وخارجياً. انتفضت الرأسمالية التجارية السورية، التي رأت في مشروع التأميمات، انقضاضاً على مصالحها، واشتد الصراع بين قادة حزب البعث وعبدالناصر، حول مواقع قيادية أعلى في إدارة الدولة.

وكان رفض عبدالناصر لسياسة الأحلاف الغربية، وعقده اتفاق تسليح مع الاتحاد السوفييتي، وقيادته مع زعماء الهند ويوغوسلافيا لعقد مؤتمر باندونج الذي أسس في ما بعد لحركة عدم الانحياز، قد شكلت نقطة تحول في التطورات السياسية داخل المنطقة.

وبجانب ذلك، عدّت الولايات المتحدة الأمريكية، أن خطوط نقل نفط الشرق الأوسط إلى أوروبا عبر قناة السويس، وتحت السيطرة الفعلية لدولة عبدالناصر، خطراً يهدد مصالحها. وفي قلب تلك العواصف انهارت دولة الوحدة في 28 سبتمبر 1961. وكان من اللافت للنظر أن قادة حزب البعث الذين وقعوا على ميثاقها، هم أنفسهم زعماء الانقلاب عليها.

ويكشف كتاب «محاضر محادثات الوحدة الثلاثية»، المناورات التي قام بها قادة البعث السوري والعراقي، لتثبيت أوضاع حكمهما في الداخل. فعبدالناصر، بعد شرخ الانفصال الذي أصاب روحه، رفض مطالب قيام وحدة اندماجية، وقبل بشكل كونفدرالي لها. وتم التوقيع على ميثاقها في 17 إبريل عام 1963. وفي خطابه في عيد الثورة 23 يوليو، أعلن الرئيس عبدالناصر انسحاب مصر منها، قبل أن تكمل شهرها الرابع.

كان البعثيون في الجيش العراقي قد أسقطوا في 8 فبراير 1963 نظام عبدالكريم قاسم، الذي رفض الانضمام إلى دولة الوحدة. وفي 8 مارس من العام نفسه، قاد جناح آخر من البعثيين في الجيش السوري، انقلاباً على حكم قادة الانفصال. وتحت ضغط التحركات الشعبية المطالبة بالوحدة مع مصر، جاء قادة الانقلابيين للقاهرة، لمناورة تبدو استجابة لمطالب شعبيهما، وهي في الواقع تستهدف إحكام السيطرة على الحكم.

وما كاد الوفدان يعودان إلى بلديهما، حتى بدأ الهجوم على الوحدة واتخاذ خطوات لإفشالها، وهو ما انتهى بأن تقتصر أحلام جيلي على أن نرى في نهاية النفق، وحدة بين العرب في الأهداف بديلاً لوحدة الصفوف، وبالدعاء: اللهم استجب!

طباعة Email