رحل بحر الندى

يقول الشاعر دعبل الخزاعي مادحاً:

هو البحر من أي النواحي أتيته

فلجته المعروف والخير ساحله

فكأنه قالها مادحاً المغفور له بإذن الله الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، رحمه الله، الذي رحل عنا إلى جوار ربه الكريم، تاركاً خلفه تاريخاً عظيماً في العمل الإنساني.

لقد امتدت أعمال الخير التي آمن بأهميتها الراحل الكبير خدمة لبني البشر المحتاجين حول العالم، ورأى أن عليه القيام بهذه المسؤولية تجاههم، فلم يترك سبيلاً من سبل الخير إلا وكانت له بصمة فيه.

أدرك أن العلم هو طريق التنمية فاعتمد البرامج الكفيلة لدعم العلم والعلماء، ونشر المدارس والجامعات ومراكز التدريب في وطنه ودول العالم المختلفة، واعتمد الجوائز التعليمية مكافأة لجهود المبدعين.

ودعم جهود الموهبة والإبداع، فاهتم بالموهوبين. ورأى أن الخدمات الطبية هي التي تضمن الصحة للناس وهي سبيل بناء المجتمع القادر على البناء والإنتاج.

فكانت له الجهود الصحية، التي كرمت العاملين في مجال الطب من خلال جائزته الطبية التي منحت لكبار المشتغلين في المجال، في مختلف التخصصات الطبية، والعاملين في الدراسات والبحوث الطبية واهتم بدور العبادة فبنى المساجد في مواقع مختلفة، في أوروبا وأفريقيا وآسيا.

كما لم ينسَ الحالات الاجتماعية من اليتامى والأرامل، والمحتاجين. إن ذكر قائمة الأعمال والحديث عنها يطول.

وأحب أن أسجل شهادة هنا، فعندما كنت سفيراً للدولة في الأردن، زرت بعض مبادراته، ففي محافظة الزرقاء كان مركز الشلل الدماغي، ورأيت الأطفال الذين يتلقون العلاج والتدريب، وفرحتهم بما يقدم لهم، وكانت دموع الفرح في أعين أهاليهم، وألسنتهم تلهج بالشكر والعرفان لسموه، وليس ببعيد عن ذلك المسجد الجامع الذي يجمع أهل المحافظة. ولا أنسى يوم أن جاءني المرحوم محمود جمعة مندوبه هناك ليخبرني بتبرع سموه بكميات من التمور لتوزيعها على أهل المحافظة. وقد كان لي شرف حضور توزيع تلك الكميات.

وفي أيرلندا ذهبت لصلاة الجمعة، فإذا بالمسجد الذي هناك من أعمال سموه.

هذه الأعمال وغيرها مما يحمل بصمات سموه حول العالم، ما ذكر منها وما لم يذكر تخلد الجهود الخيرة، وكأني به يترجم قول الشاعر:

فاجعل لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثاني

لم يرحل من ترك وراءه هذا التاريخ الطيب والذكر الحميد.

يموت الخالدون بكل فج

ويستعصي على الموت الخلود.

 

*رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي

 

 

طباعة Email