ملذات وملاذات السعادة

اليوم العالمي للسعادة الموافق 20 مارس هذا العام لا يمر مرور الكرام، ولا حتى مرور المكتفين بمطالعة مؤشرات السعادة ومعايير تحقيق الرفاه والعدالة والمساواة. اليوم العالمي للسعادة يمر مرور المفكرين والمدبرين والمتعظين. هذا العام هو الثاني لقدوم ضيف ثقيل فرض نفسه على الكوكب هو الوباء. الاحتفاء باليوم العالمي للسعادة في عام 2020 لم يتوقف كثيراً عند ضيفنا الثقيل «كوفيد 19» وما فعله بكل من الـ7.7 مليارات رجل وامرأة وشاب وشابة وطفل وطفلة في المعمورة. لم يكن أحد يعلم أو يتوقع أن يقرر الوباء أن يبقى معنا لحين إشعار آخر.

هذا العام، لا يسعنا إلا أن نجتهد في التفكر في المعنى وتدبر فائدة ما يعود علينا من المناسبة. ستستمر المؤشرات العلمية والمتفق عليها في قياس السعادة كما هي. وستؤكد دول أنها نجحت في تحقيق قدر أوفر من السعادة لشعوبها أكثر من أخرى، وذلك بحجة الأداء وبرهان القياسات. وستبقى مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي، والفساد، وفرص العمل، والصحة، ومظلات الحماية الاجتماعية، ومتوسط العمر وغيرها، باقية بغرض القياس العلمي والموضوعي.

لكن حقيقة حياتنا في كنف الوباء تلقي بظلال كثيرة، ولا نقول وخيمة، على رؤية البشرية للسعادة في 2021. وأغلب الظن أن من يسأل اليوم عن مفهومه للسعادة سيتحدث عن صحة وأمان وقدرة فتح باب البيت ومواجهة العالم دون ذعر. بالطبع تحقيق مقومات السعادة هذه تعود بنا إلى مربع المؤشرات، لكن المقصود هو التغيرات التي طرأت في أفكار الأفراد العاديين فيما يختص بتصورهم للسعادة.

تصور السعادة كان – وسيظل بعد انقشاع الضيف الثقيل - توليفة من الأماني المادية، حيث بيت أنيق، وسيارة فارهة، وربما سفر للترفيه، وحساب مصرفي متخم بالأموال، وأخرى غير مادية مثل حماية الأبناء، والإبقاء على الستر، والقدرة على المضي قدماً في الحياة.

لكن الحياة انقلبت رأساً على عقب على مدار عام مضى. واليوم العالمي للسعادة هذا العام بقدر ما يأتي محملاً بهموم ومخاوف، بقدر ما يحمل فرصة ذهبية لإعادة التفكر في العوامل والظروف التي تجعل الفرد سعيداً. إنه اليوم الذي يذكرنا هذا العام ليس فقط بأن لبدنك عليك حقاً، ولكنْ لصحتك وصحة من تحب النفسية والعقلية عليك حق.

وبينما أكتب هذه السطور أطالع ما كتبته صديقة من كلمات ينضح منها كم هائل من السعادة والامتنان. تقول: «اليوم أعود إلى العمل في المكتب بعد 364 يوماً من العمل في البيت. المجد لكل الكائنات بما فيها البشر الذين يتقفون آثار مساراتهم ويعودون إليها. صباح الخير أيها العالم السعيد».

العالم السعيد في 2021 يذكرنا بأن السعادة ليست صفة يتمتع بها البعض، أو ميزة تحظى بها فئة ما. كما أنها ليست قيمة مضموناً بقاؤها. ولعلها من المرات القليلة التي سيدرك فيها كثيرون، من دون وعظ إعلامي أو إرشاد معنوي، أن السعادة الحقيقية والباقية هي ذلك الشعور المصحوب باقتناع ويقين بالرضا. علّمنا عام مضى أن السعادة حالة قائمة بذاتها لا ترتبط بالضرورة بالفرح أو النشوة أو النعيم.

نعيم الهدوء والحكمة والتعاطف مع الآخرين يفرض نفسه على مفهوم السعادة في 2021. والغريب أن تحقيق هذا الثالوث أصعب بكثير من تحقيق الرفاه الاقتصادي والمساواة في المحددات الاجتماعية للصحة الجسدية والنفسية. لماذا؟ لأن تغيير دفة السياسات وتوجيهها نحو المزيد من الشمول والمساواة والإنصاف في النمو الاقتصادي والعمل على تقليص الفقر – رغم الصعوبة الشديدة التي تكتنفها والظروف التي ربما تحول دون تحقيقها - لكنها أيسر بمراحل من وصول الفرد نفسه لقناعة الهدوء والحكمة.

معلوم أن البشر في أوقات الأزمات والكوارث يبحثون عن ملاذات روحانية ومعنوية أكثر من المعتاد. ومعلوم أيضاً أن انتهاء الأزمات وتقادم الكوارث تعيد الغالبية إلى إدماج الملذات ضمن الملاذات. لكن القيمة المضافة الكبرى لليوم العالمي للسعادة في 2021، هي دفع الإنسانية جمعاء نحو قيم الإنسانية التي نتفوه بها دائماً دون شرط تفكرها أو تدبرها.

تدبر موقف المنطقة العربية من السعادة – أو بالأحرى موقف السعادة من المنطقة العربية – على مدار عام مضى وآخر قادم أمر مهم. المؤكد أن دولاً، على رأسها الإمارات، تبلي بلاءً حسناً في مسيرة السعادة المحققة لشعبها والمقيمين على أرضها. والمؤكد أن هذا الأداء الرائع والمشهود له – ليس فقط عبر مؤشرات السعادة الموضوعية ولكن من خلال الواقع المعاش للأفراد - قادر على تحقيق قدر أكبر من الثالوث الإنساني المنشود في عام 2021: الهدوء والحكمة والتعاطف مع الآخرين.

منطقتنا العربية في أمسّ الحاجة لقدر من السعادة. فبين اقتتالات خسفت بسقف السعادة الأرض، إلى هبات ما يسمى بـ«الربيع العربي» التي تظاهرت بحق أُريد به باطل، لتراكم آثار عقود من تحويل المنطقة إلى ملعب خلفي لصراعات الدول الكبرى، يبحث المواطن العربي في 2021 على مفهوم للسعادة يبدو جديداً، لكنه في واقع الحال قديم قدم الإنسانية.

*كاتبة صحافية مصرية

طباعة Email