نسائم عام دراسي جديد

في مثل هذه الأيام من كل عام، تهب نسائم العام الدراسي المدرسي الجديد للمنضمين الجدد. إنه موسم البحث والتنقيب والتدقيق في المدارس المتاحة لالتحاق الصغير أو الصغيرة بمنظومة التعليم للمرة الأولى. حزمة من الخطوات تكاد تتطابق الملايين في طريقة اتباعها. يعتمد الأب والأم على استطلاعات وقياسات رأي يجريانها بين الأهل والأقارب والجيران. يستمعون إلى التجارب الشخصية ويتعرفون إلى محاسن هذه المدرسة ومساوئ تلك، وذلك قبل أن تبدأ جولات التقديم والخضوع لاختبارات القبول وغيرها.

لكن هذا العام، أضاف الأهل عنصراً جديداً لم يكن على البال أو الخاطر في رحلة التنقيب المدرسي، ألا وهو قدرة المدرسة وسجلها خلال العامين المنصرمين في التعامل التعليمي والتربوي والتقني مع الصغار في زمن الوباء. هل المدرسة أنجزت عامين دراسيين بأقل خسائر تعليمية وتربوية ممكنة؟ هل كانت مستعدة تقنياً لملء فجوة التوقف عن الذهاب الفعلي للمدرس؟ هل نجحت في الحفاظ على الرابط النفسي بينها وبين طلابها رغم التعلم عن بُعد؟

بعد عام ونصف العام في كنف الوباء، صار تفكير الأهل أكثر واقعية وعملية. انهار جانب لا بأس به من حائط مقاومة الجديد ومناصبة كل حديث العداء. كنت متحدثاً رسمياً لوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني المصرية وقت تدشين «التابلت» (اللوح الرقمي) منصة تعليمية لطلاب وطالبات جمهورية مصر العربية في الصف الأول الثانوي في كل مدينة وقرية ونجع في ربوع مصر. وكنت شاهد عيان على الكم المذهل من المقاومة الشديدة للتطوير. ورغم أن «التابلت» لم يقلب مناهج الصف الأول الثانوي رأساً على عقب، بل أبقى عليها ولكن بعقلية جديدة: أسلوب التعلم مختلف، وسائط شرح ما تعذر فهمه متاحة عبر آلاف المواقع التفاعلية المجانية المتاحة على «التابلت» من خلال «بنك المعرفة المصري»؛ أسئلة الامتحان صارت تميل إلى قياس ما فهمه الطالب وليس مقدار ما حفظه. جاءت المقاومة بالغة العنف من طرفين: الأهل لا سيما المتعلمين والحاصلين على شهادات جامعية، والمعلمون الذين ثار أغلبهم على هذا التغيير، إما لعدم قدرتهم على فهم الغاية منه أو لأنهم أيقنوا أن هذا الفكر سيضع كلمة النهاية أمام منظومة الدروس الخصوصية التي صارت نظاماً تعليمياً منافساً للوزارة. الغريب في الأمر أن الطلاب والطالبات أنفسهم كانوا الأكثر ترحيباً وقبولاً، وإن تأثر البعض منهم برعب الأهل ومطالبتهم الحثيثة بالإبقاء على الأنظمة المتجمدة.

لكن شاء القدر أن ينجح الوباء في إذابة قدر غير قليل من الجمود والتحجر. وبعد ما كان الأهل يعاندون ويقاومون ويناضلون على مواقع التواصل الاجتماعي للإبقاء على ما وجدوا عليه آباءهم ومن قبلهم أجدادهم، تحولت جهود النضال إلى البحث عن المدارس التي أبلت بلاءً حسناً في التعليم عن بُعد أو المدمج في زمن الوباء.

زمن الوباء، بقدر قسوته، إلا أنه يمنحنا كماً مذهلاً وفرصاً ذهبية لإعادة البناء بشكل أفضل. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) تخبرنا أن معظم حكومات العالم أغلقت المؤسسات التعليمية موقتاً سعياً لاحتواء تفشي الوباء. هذا الإغلاق أثر على نحو 60 في المئة من طلاب العالم. لكن مئة في المئة من طلاب العالم تأثروا بشكل أو بآخر. وكان الأقل تأثراً هم من حظوا بأنظمة تعلم عن بُعد أو مدمج أفضل.

أفضل ما يمكن عمله إذن بينما ملايين الأهل يبدأون في رحلة البحث عن مدرسة لصغارهم، وملايين المدارس تستعد لعام دراسي مقبل 2021 - 2022 هو إعادة بناء العملية التعليمية بشكل أكثر مواءمة للعصر الرقمي، وأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات.

المتغيرات لن تقف عند حدود الوباء. صحيح أن «كوفيد 19» قد يستمر معنا لسنوات، لكن التغيّر سنة الحياة. والتحول الرقمي هو سر التكيف مع سنة الحياة. ويخبرنا «البنك الدولي» أن قطاع الاتصالات في زمن الوباء لم يعد يقتصر على التواصل التقليدي والبحث عن المعلومات، بل بات العمود الفقري لاستخدام البيانات من قبل الجميع، والعامل الأقوى للاستمرار في ظل متطلبات الوباء الصعبة.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تزايد الإقبال على خدمات وبيانات النطاق الرقمي العريض بشكل ملحوظ خلال انتشار فيروس «كورونا». وأغلب الظن أن الإقبال مستمر، لا سيما في العملية التعليمية.

العملية التعليمية العربية إذن ستتغير بشكل أو بآخر، ومن الأفضل أن نكون فاعلين ومخططين في هذا التغيير، بدلاً من أن نكون متلقين ومضطرين. الإمارات قدمت نموذجاً رائعاً في العملية التعليمية في زمن الوباء، لأنها استشرفت المستقبل قبل سنوات طويلة، وبدأت التحول الرقمي المخطط والمتأني، لذلك كان أداؤها التعليمي المدرسي ضمن الأفضل في العالم.

العام الدراسي الجديد يبدأ الآن، ومعه يبدأ مستقبل بمقاييس جديدة يتطلب رؤى حديثة وتكيفاً عميقاً وواقعية مفرطة.

* كاتبة صحافية مصرية

طباعة Email