الذكرى العاشرة للنكبة.. السوريون إلى أين؟

في الخامس عشر من مارس الجاري، تحل الذكرى العاشرة لنكبة السوريين، أو ما اصطلح على تسميته «الربيع السوري»، وهي ذكرى تفصلها أيام قليلة عن بداية فصل الربيع الحقيقي الذي ينطلق في 21 من الشهر ذاته، ويحتفل فيه العالم العربي بعيد الأم.

ثمة مفارقات في تسميات هذا الربيع، فالأم رمز للربيع، والربيع رمز للخير.. أما ربيع سوريا، فأضحى رمزاً لنكبة شعب خاض ولا يزال يخوض أعتى الحروب التي لم تعرف الإنسانية مثل شراستها قبلاً.

وبين كل هذه الطقوس الربيعية، سيضيع ربيع السوريين، وستذبل معه فتوة الشباب وقوته، وسيستمر المنكوبون منهم في محاولات الهرب عبر قوارب الموت «المطاطية»، إلى بلاد أكثر ضبابية من وطنهم الأم.

ابتزاز سياسي

وفي مشهد الأزمة الذي لم يخلُ يوماً من سكاكين الإرهاب الهمجية، كان المواطن السوري، ولا يزال «الحلقة الأضعف»، بين الأطراف المتقاتلة، ويبدو أنه سيبقى، أيضاً، العنوان الأبرز لـ«الابتزاز السياسي»، الدولي وأطياف المعارضة، في المرحلة الدبلوماسية المقبلة، وهي مرحلة ترتبط، بلا شك، بمخرجات الانتخابات التي سيبدأ الرئيس بشار الأسد بـ«التعبئة العامة» لها في الأيام القليلة المقبلة.

وسيكون الأسد، وفق توقعات المراقبين، المرشح الأقوى للفوز بكرسي الرئاسة فترة رابعة، مدعوماً بموقف روسيا التي ساندته عسكرياً منذ عام 2015 لاستعادة نحو 65% من الجغرافيا السورية حتى الآن.

أما المعارضة التي فقدت الكثير من مقوماتها على أرض الواقع، فيبدو أنها ستستمر بالعزف على «نغمة الرفض» لأي حلول تخالف مصالحها، أو انتخابات يكون الرئيس الأسد طرفاً فيها، وهو موقف يتطابق مع الرفض الأوروبي المسبق لأي انتخابات خارج قرار مجلس الأمن 2254 الذي يدعو لتشكيل حكومة انتقالية وانتخابات رئاسية برعاية أممية.

كل هذه السياسات مجتمعة، التي لا إرادة للمواطن السوري فيها، سيبقى لها القول الفصل في تقرير مصير السوريين، ما يعني أن السوريين سيستمرون مجبرين، على دفع أثمان إنسانية واقتصادية، أكبر مما دفعوها على مدى عقد من الصراع «الوجودي»، وسيجبرون أيضاً، على قبول دبلوماسية جرتهم ولا تزال تجرهم إلى أتون النار والفوضى والدمار.

وفي ذاكرة الأرقام للأمم المتحدة، فقد خلفت الأزمة السورية نحو 450 ألف قتيل، وأجبرت 6.5 ملايين نازح على الإقامة في مخيمات عشوائية تفتقد لأبسط مقومات العيش داخل وطنهم، ورمت نحو 5.6 ملايين لاجئ إلى دول أخرى، احتضن لبنان والأردن وتركيا القسم الأكبر منهم.

وفي «جوقة المعايير» التي يتكرر فيها مشهد السقوط الدبلوماسي للأزمة، سيجد السوريون أنفسهم أمام تحديات كبيرة، وخيارات قد تكون حاسمة؛ فالشعور بالأرق الاقتصادي والقلق الأمني والتوتر الاجتماعي والنفاق السياسي.. جميعها عوامل ستشكل ضغطاً كبيراً على المواطن السوري، وستدفعه إلى أبشع حالات اليأس المعيشي، وربما لإنتاج «ربيع جديد» أكثر دموية من «ربيع 2011».

أضف إلى ذلك، ثمة ضغوط أخرى قد تشكل شرارة انفجار كلي، لن يسعى السوريون إليه طواعية، وأبرزها: مطاردة عقوبات «قيصر» لهم، ودخولهم تباعاً مرحلة الشلل الاقتصادي، وتربص شبح الصرف بالعملة المحلية؛ إذ من المتوقع، وفق العديد من المحللين الاقتصاديين، أن يصل السعر إلى 5000 ليرة مقابل الدولار الواحد، بحلول موعد «الاستفتاء الرئاسي»، فيما كان السعر في حدود 50 ليرة سورية لكل دولار قبل الأزمة.

وإذا ما استمرت الأزمة التي «تتقنع» بوجه اقتصادي، حينئذ، سيبقى السوريون بموقع «البيادق» على رقعة الشطرنج العالمية، وسيظل مصيرهم مرتبطاً بإرادات دولية تتفنن بتغيير «جلودها السياسية» وفق ما تقتضي مصالحها على جغرافيا بلدهم؛ ففي مناطق النزوح التي تستظل تحت رايات دول وهيئات تزعم مناصرة المظلومين، يفقد اللاجئون يوماً بعد آخر الشعور بالأمان، وفي بلدان الهجرة لن يملك المهاجرون السوريون حرية التحرك خارج «معسكراتهم المدنية»، فضلاً عن أن ثمة أحزاباً في «بلاد الديمقراطيات»، تستمر في «المزايدات» على حقوقهم الإنسانية لاستثمارهم في الاستحقاقات الانتخابية، وهذا ما يلمسه العديد من المراقبين الدوليين، والمنظمات الحقوقية العالمية.

وأمام هذا الواقع «الصادم» والمفتوح على الاحتمالات السلبية كافة، سيظل السوريون المستضعفون سياسياً وأمنياً واقتصادياً، مكبلين بخيار الانتظار؛ فالخيوط السياسية والعسكرية للأطراف الدولية، تزداد تشابكاً على جغرافيا بلدهم، وكما يبدو، أن نكبة المواطن السوري، ستبقى ورقة «الجوكر» للعبة الدبلوماسية الدولية، في القادم من الأيام.

 

 

طباعة Email