التوازن بين الجنسين في دولة الإمارات.. نموذج عربي ملهم بأبعاد عالمية

في يوم الثامن من شهر مارس من كل عام، تتبارى الأقلام بوسائل الإعلام حول العالم للحديث عن إنجازات المرأة، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وهو شيء محمود لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، التي خصصت هذا التاريخ سنوياً ليكون مناسبة خاصة للمرأة حول العالم تكريماً لإنجازاتها وتقديراً وعرفاناً لجهودها ونجاحاتها في مختلف المجالات، والدعوة لإزالة ما تواجهه من تحديات وصعاب تعرقل القيام بدورها، والحث على تعزيز مبدأ المساواة بينها وبين الرجل كحق أصيل لها.

لكننا في دولة الإمارات نعتز ونفخر بأن المرأة يتم تكريمها في كل يوم بتشريعات وسياسات ومبادرات وإجراءات جديدة تعلي من قدرها، وترسخ التوازن بين الجنسين نهجاً مستداماً ومبدأ أصيلاً تأسست عليه الدولة قبل خمسة عقود، ما شكل أساساً قوياً لتحقيق المرأة نجاحات جعلت من التجربة الإماراتية في دعم المرأة نموذجاً عربياً ملهماً يحظى باحترام وتقدير عالميين.

إن الحديث عن مكانة المرأة ودورها بصفة عامة وما حققته من إنجازات لا تسعه بضعة سطور أو تتحمله مجلدات ودوريات، فهي ليست نصف المجتمع، بل هي المجتمع بأكمله، فالأدوار المتعددة التي تؤديها، سواء كانت ربة منزل أو موظفة أو معلمة أو وزيرة أو رئيسة دولة، لا تقدر ولا يوصف مدى تأثيرها وإيجابياتها داخل المجتمع.

وفي وقتنا الراهن تتبارى المجتمعات الراقية لإتاحة الفرصة لها بتحمل المسؤولية في أماكن ووظائف فائقة الأهمية، وهي كما هو الحال دائماً وأبداً تثبت فيها جدارة وكفاءة عالية، فقد سبحت في الفضاء إلى جانب الرجل، كما سبحت في البحار والمحيطات من أجل الاكتشافات العلمية، وتفوقت في المجال الطبي والهندسي والتقني ولها إبداعاتها الأدبية والفكرية والفنية، وتستعد للصعود إلى القمر إلى جانب الرجل.. هي الإنسان الوحيد القادر على تحقيق التوازن بين الأسرة والعمل، بل هي الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يخطو وينجح في جميع الأدوار في وقت واحد.

وللإمارات الريادة في تقدير وتمكين المرأة في مختلف المجالات إيماناً من القيادة الرشيدة بقدراتها وإدراكاً لأهمية دورها ومدى تأثيره الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وفي تحقيق التلاحم الأسري، وقطعت مسيرة دعم المرأة في الدولة شوطاً طويلاً، وأصبحت تقدم نموذجاً عربياً ملهماً على الصعيد العالمي، وهو أمر تعكسه نتائج التقارير ومؤشرات التنافسية العالمية المعنية بالتوازن بين الجنسين وتمكين المرأة، وأحدثها تقرير المساواة بين الجنسين 2020 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في شهر ديسمبر الماضي، والذي جاءت فيه بالمركز الـ 18 عالمياً والأول عربياً، محققة قفزة نوعية بمعدل 31 مركزاً عالمياً بهذا التقرير خلال 5 سنوات، وكذلك تقرير «المرأة وأنشطة الأعمال والقانون 2021» الصادر حديثاً عن البنك الدولي، الذي حققت فيه المركز الأول على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وذلك استمراراً لمراتبها المتقدمة بالعديد من المؤشرات العالمية خلال السنوات القليلة الماضية، حيث تصدرت دول العالم في مؤشر احترام المرأة ضمن تقرير مؤشرات التطور الاجتماعي في دول العالم، الصادر عن مجلس الأجندة الدولي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي عام 2014، كما حققت المركز الأول عالمياً عام 2017 في التوازن بين الجنسين في حقوق الملكية، وفقاً لتقرير مؤشر الازدهار الصادر عن معهد ليجاتوم ومقره لندن، والأول عالمياً في التوازن بين الجنسين في معدل الإلمام بالقراءة والكتابة، وفقاً لتقرير الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والمرتبة الأولى عالمياً في مؤشر غياب الفجوة بين الجنسين في الالتحاق بالتعليم الثانوي تحت سن 15 عاماً، وفقاً لتقرير رأس المال البشري الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.

هذه النجاحات العالمية كان وراءها جهود ضخمة على مدى الخمسين عاماً الماضية، وهي ثمرة للنهج الراسخ في دعم وتشجيع وإنجاح المرأة الذي أرساه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتواصله حالياً القيادة الرشيدة لدولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأخويه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإخوانهم أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، وبدعم لامحدود من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، التي أولت المرأة كل رعايتها تعليمياً واجتماعياً وأسرياً ومهنياً.

إن دعم القيادة الرشيدة وسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك للمرأة وتشجيعها وإحاطتها بمختلف أشكال التشجيع والتحفيز وما قامت به الحكومة من جهود في إطار الرؤية الطموحة لتعزيز مشاركتها في مختلف القطاعات الحيوية، تأسيساً على ما قدمته الدولة من مقومات تميز للمرأة، كلها أمور تجعل الإمارات اليوم نموذجاً ملهماً في النهوض بالمرأة على المستويين الإقليمي والعالمي، في وقت تستعد للاحتفال بيوبيلها الذهبي في ديسمبر المقبل والانطلاق نحو خمسين عاماً أخرى من القفزات النوعية.

وتحرص الإمارات دائماً على ألا تقتصر نجاحاتها في أي مجال على حدود الوطن والمجتمع الإماراتي، بل على أن يكون لها تأثيرها الإيجابي على المستويين الإقليمي والدولي، والعالم العربي في القلب منه دائماً، وهو ما يتجلى واضحاً في رعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك للمرأة العربية والعالمية، إلى جانب المرأة الإماراتية، من خلال مبادرات سموها الثقافية والاجتماعية والإنسانية والخيرية، وهي مبادرات كانت محل تقدير واحترام عالميين تمثل في منح الأمم المتحدة والجامعة العربية والعديد من المؤسسات التابعة لهما وقادة العالم والدول العربية سموها مئات الجوائز والأوسمة والألقاب وتكريمها في كثير من المناسبات، تقديراً لعطائها وجهودها في دعم وتشجيع المرأة حول العالم.

كما ترحب قيادتنا الرشيدة دائماً بمشاركة تجاربنا الناجحة في مختلف المجالات، بما في ذلك التوازن بين الجنسين، مع دول العالم والدول العربية الشقيقة، وهو ما نعمل عليه في مجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين من خلال التشاور وتبادل الرؤى حول أفضل السبل لتعزيز دور المرأة وتبادل الزيارات واللقاءات الدائمة مع المؤسسات والمنظمات العربية لضمان التلاحم المجتمعي والحياة الكريمة للأسرة العربية واستمرارية التميز والتألق في تحقيق تنمية اجتماعية مستدامة.

وقد حرص المجلس منذ تأسيسه عام 2015 برئاسة حرم سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة، سمو الشيخة منال بنت محمد بن راشد آل مكتوم، على تعزيز شراكاته العالمية للاطلاع على التجارب المميزة وأفضل الممارسات في التوازن بين الجنسين وتطبيقها على المستوى المحلي مع مراعاة التقاليد الإماراتية والخليجية، وأطلق مبادرات لها تأثيرها الملموس على المستويين المحلي والعالمي انطلاقاً من حرص الإمارات على دعم الجهود الدولية الرامية لترسيخ التوازن بين الجنسين وتعزيز المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمرأة وحصولها على الخدمات المختلفة بالتساوي مع الرجل، في الوقت الذي أثمرت جهود التعاون والتنسيق بين كافة الجهات الحكومية في الإمارات عن تحقيق نتائج لافتة تمثلت في إصدار قوانين وسياسات جديدة وتحسينات تشريعية لأكثر من 20 مادة قانونية خلال العامين الأخيرين فقط، شملت مجالات العمل والمشاركة السياسية والأحوال الشخصية والسلك القضائي والأجور والمعاملات المصرفية وحرية التنقل والزواج وريادة الأعمال والممتلكات والمعاش التقاعدي، ما أسهم في تحويل التوازن بين الجنسين إلى عمل مؤسسي ورفع نسبة تمثيل المرأة بمختلف القطاعات والمجالات بما في ذلك المناصب القيادية ومراكز صنع القرار ترجمة لرؤية أولويات وتوجيهات قيادتنا الرشيدة وتأكيدها بأن التوازن بين الجنسين هو أحد المحاور الهامة لاستراتيجية الخمسين عاماً القادمة.

ولعل هذا الواقع الذي نعتز ونفخر به ينسجم مع ويعبر عن الشعار الذي اختارته هيئة الأمم المتحدة للمرأة للاحتفال باليوم العالمي للمرأة هذا العام «المرأة في القيادة: تحقيق مستقبل متساوٍ في عالم كوفيد 19»، فالمرأة الإماراتية متواجدة بقوة في أهم وأرفع المناصب وممثلة في مختلف القطاعات بنسب مرتفعة بصورة تعكس التطبيق الواقعي لمبدأ تكافؤ الفرص والتوازن بين الجنسين، ما جعل دورها مؤثراً في التعامل مع تحديات أزمة كورونا والحد من تداعياتها، من خلال تواجدها الملموس في الخطوط الأمامية للتعامل مع هذه الجائحة العالمية، وفي مقدمتها فرق إدارة الأزمة على أعلى مستوى وفي القطاعات الطبية والتعليمية والإعلامية والسلك الشرطي، إضافة إلى جهودها بالمنزل في رعاية الأسرة والأبناء ومتابعة تعليمهم عن بعد، كما تحملت العبء النفسي والعصبي الأكبر الناجم عن هذه الجائحة لعدة أسباب أهمها حماية أسرتها في ظل ظروف نفسية صعبة، لكنها قبلت التحدي وكانت على قدر المسؤولية في التخفيف عن الأسرة والأبناء وساعدت المجتمع على الخروج من الأزمة بأقل الخسائر، إضافة لتواجدها المميز في الفرق الطبية والمجال التطوعي في صورة تعكس المعدن الأصيل للمرأة الإماراتية وتحليها بقيم «زايد الخير والعطاء».

فتحية إعزاز وتقدير لقيادتنا الرشيدة ولـ (أم الإمارات)، سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وسمو الشيخة منال بنت محمد بن راشد آل مكتوم لجهودهم المخلصة في دعم وإعلاء شأن المرأة، وتهيئة سبل النجاح أمامها دستورياً وقانونياً، مع أصدق التهاني والتبريكات لسموهم بيوم المرأة العالمي، وتحية واجبة لكل سيدة وفتاة على أرض الإمارات، وفي عالمنا العربي، وكافة أرجاء المعمورة بهذه المناسبة العالمية.

 

 

طباعة Email