المرأة في عيدها شريك إعادة البناء

يعود اليوم العالمي للمرأة في 2021 محملاً بآمال وأحلام وإحباطات ومخاوف وطموحات لا تعرف الحدود القصوى. تبرمنا كثيراً وأسرفنا في الشكوى من تضاؤل المساواة وتقلص العدالة بين الجنسين، حتى جاء الضيف الثقيل «كوفيد 19» ليعيد رسم قواعد لعبة عدم المساواة. وبينما يطفئ «كوفيد 19» شمعته الثانية، تطفئ المرأة الشمعة الـ 110 في عيدها العالمي، لكنها تطفئ آلاف الشمعات احتفاءً بوجودها جنباً إلى جنب مع الرجل على ظهر الكوكب.

هذا العام، يحتفي العالم بـ«المرأة في القيادة: تحقيق مستقبل سمته المساواة في عالم كوفيد 19». وبقدر ما يحمله عنوان الاحتفال هذا العام من قلق وخوف، حيث اعتراف ضمني بأن فيروس «كورونا» جاء ليبقى لحين إشعار آخر، إلا أن الاعتراف بأن وجود المرأة في القيادة أحد الضمانات الكبرى لمستقبل سمته المساواة في الحقوق والواجبات. المسألة لم تعد إصراراً نسوياً وحقوقياً على ضرورة القضاء على الرجال، أو تبادل أدوار الحمل والولادة والعمل العضلي والتكوين البيولوجي. نضجت قضايا المرأة وشقت طريقها نحو المنطق.

فعالم بلا مساواة – مع الاعتراف باختلاف ببعض الأدوار – هو عالم بلا مستقبل، أو عالم بلا مستقبل عادل. ولعل مفهوم «جيل المساواة»، الذي تتبناه الأمم المتحدة ويلقى صدى كبيراً، لا سيما بين الأجيال الصغيرة والشابة، من أفضل المفاهيم التي يمكن تحويلها من مجرد شعار إلى معتنق فكري وعملي. الأجيال الشابة وصغار السن هي الفئات العمرية الأكثر قدرة على تعديل المفاهيم وضبط المسار. كما إنها صاحبة الصدر الأرحب في قبول كل ما يتعلق بالعدالة والمساواة. وهي الأقدر على تحويل القول إلى فعل، حيث الإيمان بالتفعيل يفوق التعلق بتلابيب الأحلام والآمال.

أحلام وآمال النساء في كل مكان هي أن يحظين بعالم ومستقبل قوامه التكافؤ. الغالبية لا تطمع في مكاسب استثنائية أو حقوق تميزها دون وجه حق. إنه تكافؤ الفرص، وتكافؤ المسؤوليات، وتكافؤ الموارد، وتكافؤ الإرادة السياسية والمجتمعية من أجل مستقبل سمته المساواة. تريد النساء التخلص الآني من الوصم القائم على النوع، والقوالب النمطية التي تحاول أن تحبس المرأة في أدوار بدائية، والعنف الذي يستهدفها لأنها امرأة.

هذه الأمنيات والآمال ليست عصية على التحقيق. وهي لن تتحقق إلا حين تشهد دوائر صنع قرارات الأمم المصيرية تمثيلاً عادلاً للمرأة. فكل قرار يخص البشرية هو قرار يخص المرأة والرجل. وكل قرار يضر أو ينفع، سيلقي بظلاله على كليهما. لذلك، فإن المرأة التي تتمتع بالقدرة والملكة والتدريب على أن تكون قائدة أو موجودة في دوائر صنع القرارات وتحديد المساراة يجب أن تتبوأ مقعدها. وفي عالم ينوء بحمل «كوفيد 19» الثقيل، فإن رؤى المستقبل وخططه ليست بالقتامة التي تبدو عليها.

بل يمكن القول إن العكس هو الصحيح. فكثيراً ما تكون الكوارث والأزمات فرصاً ذهبية لإعادة البناء بشكل أكثر عدالة ومن ثم أكثر استدامة. وربما يكون الوباء الذي هز أرجاء العالم، فرصة ذهبية لتلعب النساء دوراً محورياً في إعادة البناء والتعافي وصنع مستقبل أكثر مساواة، لا سيما وأن الوباء لم يكتفِ بإلقاء الضوء على أوجه انعدام المساواة الكثيرة التي تعاني منها نساء الأرض، بل عمقها ودهورها.

لغة الأرقام تخبرنا أن النساء يشغلن منصب رئيس دولة أو حكومة في 22 دولة، وأنهن يشكلن نحو 25 في المئة فقط من المجالس النيابية. وهذا يعني أن تحقيق المساواة فيما يتعلق برئاسة الحكومات سيستغرق نحو 130 عاماً إضافياً. لكن الحقيقة هي أن المشكلة ليست في عدد النساء اللاتي يترأسن دولاً وحكومات، بقدر ما تكمن في مكانة المرأة في المجتمعات، ومدى حصولها على حقوقها المتساوية مع الرجل في الصحة والتعليم والتدريب والتشغيل وغيرها.

وإذا كانت المرأة لعبت دور «سوبر هيرو» أو البطلة الخارقة في أزمة «كورونا»، التي ألمت بالعالم، حيث وقفت وما زالت في طليعة الخطوط الأمامية في التعامل مع الوباء والمرضى، سواء كطبيبة أو مقدمة رعاية طبية أو راعية لمن في بيتها من مرضى وأصحاء، مع المزيد من الأعباء، وربما قدر أكبر من العنف المنزلي.

وفي اليوم العالمي للمرأة، فإن المرأة العربية تهيمن على العقل والقلب. المرأة العربية ليست فقط «عمود البيت» كما يقال. فهي «عمود» المدرسة والمستشفى والشركة والمصنع والوزارة. هي عمود المجتمع جنباً إلى جنب مع العمود الآخر، ألا وهو الرجل.

ومن مصر إلى الإمارات إلى السعودية ومنها إلى لبنان والمغرب واليمن والعراق وسائر أرجاء منطقتنا العربية، تقف المرأة عموداً في مجتمعها. وسواء كانت تنعم بمستوى معيشة جيد أو متوسط، أو تحيا بالكاد تحت خط الفقر، أو كانت في بلد سمته الاستقرار، أو آخر ضربه الصراع، تكتب المرأة العربية على مدار الساعة قصص بطولة تصب جميعها في ضمانات مستقبل سمته المساواة وقوامه التكافؤ والعدالة والاستدامة.

* كاتبة صحافية مصرية

طباعة Email