الرمال المتحركة في شمال أفريقيا

ما إن لاحت في الأفق بوادر استقرار الأوضاع في ليبيا، حتى ظهر أفق مختلف يُنذر بتوترات جديدة في الجوار الليبي، رمال متحركة نلحظها بوضوح في شمال أفريقيا، تونس على صفيح ساخن، والجزائر تعيد ترتيب ملفاتها من جديد، دول الساحل والصحراء تدخل مرحلة مختلفة في التعامل مع العودة المباغتة للجماعات والتنظيمات الإرهابية الجوالة.

 ملامح الصورة في شمال القارة تستحق التوقف والقراءة بعمق، أمواج التوتر متلاطمة، الحدود السياسية تسمح بانتقال عدوى الفوضى، لاحظنا ذلك في العواصم الثلاث.

في طرابلس الغرب، كانت الخيوط متواصلة بين الجماعات التي تصنع الأزمات وحالات الفوضى والتخريب وعدم اليقين، وبين الجماعات نفسها والتنظيمات الموجودة في عواصم شمال القارة، فهويتهم واحدة، وأفكارهم محددة، لها أهداف قصيرة وبعيدة المدى، امتداداتهم الطرفية مشتركة، كل الشواهد تقول إنهم يسعون إلى استئناف فوضى ما يسمى بـ«الربيع العربي»، ليس في قاموسهم معنى لمفهوم الدولة الوطنية، كل أدوارهم وظيفية، تصب في صالح المطابخ السياسية المشبوهة، التي تهدف إلى الهدم وليس البناء، إلى الانهيار وليس الاستقرار، ولا ترغب في وجود دول مركزية قوية لديها مؤسسات محصنة، بل إنها تسعى دائماً إلى تأليب الشعوب ضد مؤسساتها، وضرب الثقة في الإيمان بالدولة ومقدراتها، أصحاب هذه الوظائف والمهام والأدوار في الشمال الأفريقي يقدمون أنفسهم كوكلاء للفوضى والتخريب في المنطقة.

اللافت للنظر هنا، هو نشاط هذه الجماعات الوظيفية في هذا المكان وفي تلك اللحظة، لكنني استطيع القول: إن التركيز على شمال أفريقيا يأتي في سياق الانطلاق مما حدث عام 2011، وربما يتوهم أصحاب هذه الأدوار المشبوهة أنه يمكن إعادة سيناريوهات ما جرى، هذا فضلاً عن محاولتهم فتح آفاق أوسع للجماعات الإرهابية والميليشيات، بعد أن ضاق عليها الخناق في سوريا والعراق، فوجدوا في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء مسرحاً ممهداً لتحقيق هذه الفكرة وذلك المشروع، وبالتالي نجد أن هذه الجماعات تبذل جهداً كبيراً لصناعة حالة من عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي، إذ إن هذه الجماعات تجد نفسها في ظل الفوضى والتأزيم، ومن ثم فمن مصلحتها غياب ملامح الدولة بمؤسساتها وهياكلها.

 في ليبيا مثلاً، تسعى التنظيمات والميليشيات للسيطرة على مقدرات الشعب، وإثارة الفتنة، وتعطيل مسارات الحل على مختلف الصعد حتى تظل الرقم الصعب في معادلة المستقبل الليبي، وبالتالي يطول زمن بقائها على الأرض أملاً في إفشال ونسف المسار السياسي كاملاً، وبالتالي تكون لديها فرص أكبر في التوغل والسيطرة على مفاصل الدولة الليبية، وتظل الدولة رهينة للمشروع العابر للحدود، تديره الميليشيات لصالح قوى إقليمية دولية.

هذا النموذج الذي يحدث في ليبيا، له امتداداته في عواصم دول الجوار، ففي تونس، قامت المجموعة الممثلة لهذه التنظيمات الدموية، بمحاصرة مؤسسات الدولة، ومحاولة شل قدرة رأس الدولة عن اتخاذ قرارات يحمي بها الشعب التونسي، وفرضت تغييراً وزارياً على رئيس الحكومة دون الاتفاق مع المعايير الدستورية والنظم السياسية الحاكمة في تونس، فلم تكتف حركة «النهضة» التونسية بهذه التصرفات ضد مؤسسة الرئاسة، بل إنها تحاصر الحالة السياسية بمختلف تياراتها الفكرية، فهي تدرك جيداً ماذا تريد؟ وهدفها، هو قفز جماعة «الإخوان» الإرهابية إلى الهيمنة والسيطرة على مفاصل الدولة التونسية، ومستقبل الشعب التونسي، وجعل تونس محطة في قطار المشروع الدولي لتمكين التنظيم الدولي لـ«الإخوان» من شمال أفريقيا.

أما في الجزائر، فهناك محاولات لاستدراج الدولة إلى الوقوع في فخ الحالتين الليبية والتونسية، ومن ثم العودة إلى أخطر نقطة في تاريخ الجزائر الحديث، وهي سنوات «العشرية السوداء» برغم كل هذه المحاولات الظلامية، فإن الصورة في الجزائر تختلف كثيراً، فنحن أمام دولة راسخة وثابتة، تجرعت مرارة سنوات الإرهاب، فأدرك شعبها أهمية ومعنى الاستقرار، ومحاربة قوى الظلام، وبالتالي فإدارة مشهد التعامل مع جماعات التخريب والفوضى، لا تقبل التهاون أو القسمة على وجهات النظر الجزائرية، بل إن المؤسسات الجزائرية الوطنية تتعامل بحسم وقوة مع أي تهديد للأمن القومي الجزائري، الذي هو جزء أصيل من الأمن القومي لشمال أفريقيا، وأمن المتوسط، بل أمن القارة بأكملها، وبالطبع أمن دول جنوب أوروبا.

هذه الرمال المتحركة من طرابلس وتونس إلى الجزائر، تمتد إلى مساحات واسعة من دول الساحل والصحراء، بهدف تحقيق مآرب التنظيمات نفسها، عابرة الحدود، التي تعمل كوكلاء للتخريب والفوضي في شمال أفريقيا والإقليم.

الصورة الكاملة لما يدور في شمال أفريقيا، تفرض علينا الانتباه لضرورة وأهمية دعم وجود فكرة الدولة الوطنية ومؤسساتها، والوقوف يداً واحدة في مواجهة القوى الظلامية ومشروعها التخريبي، والعمل على تنبيه المجتمع الدولي بخطورة ما يحدث في شمال أفريقيا، وما له من تداعيات على الأمن والسلم الدوليين.


* رئيس تحرير «الأهرام العربي»

 

طباعة Email