مدخل العمل من أجل مستقبل عربي أفضل

تفاعلت قضايا عدة في المنطقة العربية وفي العالم خلال السنوات الأربعين الماضية، وكانت بمعظمها تحمل نتائج سلبية على الهويّة العربية المشتركة، فتنقلها من كبوةٍ إلى كبوة.

وقد امتزجت هذه السلبيات مع انجذابٍ أو اندفاعٍ في الشارع العربي إلى ظاهرة «التيارات الدينية والطائفية» التي دعمتها عوامل كثيرة، داخلية وخارجية، والتي أسهمت في أن يبتعد المواطن العربي عن «هويّته العربية»، وأن يلتجئ إلى أطرٍ سياسيةٍ وفكرية تحمل مشاريع ذات سمات دينية طائفية أو مذهبية، اعتقاداً بأنّها هي الأساس الصالح لمستقبلٍ أفضل.

لكن المشكلة أنّ هذه «البدائل» كانت ولا تزال مصدر شرذمة وانقسام على المستويين الوطني والديني، خاصّةً أنّ معظم البلاد العربية قائمة على تعدّدية طائفية أو مذهبية أو إثنية، أو كل ما سبق معاً، كما هو الحال في بلاد المشرق والمغرب معاً، أو تحديداً كالتي هي الآن محور الصراعات المتفجّرة في بعض بلدان المنطقة، حيث التحدّي الكبير مازال قائماً مع مشاريع التمزيق والتقسيم والتدويل، وحيث المواجهة أحياناً هي مع بعض هذه الحركات العنفية التي شوَّهت في ممارساتها صورة الإسلام والمسلمين.

لذلك هناك حاجةٌ وضرورة عربية الآن لإطلاق «تيّار عروبي توحيدي» فاعل يقوم على مفاهيم فكرية واضحة، لا تجد تناقضاً بين الدولة المدنية وبين دور الدين عموماً في الحياة العربية، ولا تجد تناقضاً بين العروبة وبين تعدّدية الأوطان بل تعمل لتكاملها. «تيّار عروبي توحيدي» يرفض استخدام العنف لإحداث التغيير في الحكومات والمجتمعات أو لتحقيق دعوته أو في علاقاته مع الآخرين.

«تيار عروبي» يدعو للبناء السليم للمؤسسات العربية المشتركة، وللمنظمات المدنية المبنية على أسلوب العمل الجماعي الخادم لهدف وجودها. «تيّار عروبي» تكون أولويته الآن هي حماية الوحدة الوطنية في كلّ بلدٍ عربي، وليس الانغماس في وحل الصراعات الأهلية.

لم تدرك جماعاتٌ كثيرة بعد أنَّ «القومية العربية» أو «العروبة» هي هويّة ثقافية وليست مضموناً فكرياً وسياسياً قائماً بذاته، وبأن بديل ما نرفضه الآن من انقسامات وطنية وطائفية ومذهبية هو التمسّك بالهويّة العربية التي تستوعب أيضاً تحت مظلتها كل الخصوصيات الإثنية الأخرى.

فالهوية العربية مثلها كمثل «الهوية الأمريكية» التي استوعبت مئات الملايين من أصول عرقية وإثنية ودينية مختلفة، ومثلها كمثل الاتحاد الأوروبي وما فيه من تنوع إثني وثقافي ولغوي حتى. ولم يتحقق ذلك للأمريكيين وللأوروبيين إلاّ بعد قيام اتحاد بين ولاياتهم وأوطانهم على أساس دستوري سليم، رغم خوضهم في القرنين الماضيين الكثير من الحروب والصراعات الدامية فيما بينهم.

إنّ مسألة «الهوية العربية» هي قضية معاصرة الآن، ومهمة للمستقبل العربي المنشود، ومدخلها العملي هو كيفيّة المحافظة على الهويّة الوطنية الواحدة المشتركة، في مقابل محاولات الفرز الطائفي والمذهبي والإثني داخل الأوطان العربية.

ومشكلتنا نحن العرب أنّنا نعاني، لحوالي قرنٍ من الزمن، من صراعاتٍ بين هُويّات مختلفة، ومن عدم وضوح أو فهم للعلاقة بين الهويّات المتعدّدة أصلاً للإنسان العربي.

إنّ الشخص العربي هو الإنسان المنتمي للثقافة العربية أو لأصول ثقافية عربية. فالهويّة العربية لا ترتبط بعرق أو دين، ولا بموقف سياسي أو منظور أيديولوجي، ولا تخضع لمتغيّرات الظروف السياسية.

إنّ الانتماء إلى العروبة يعني الانتماء إلى أمّة واحدة من حيث تكامل عناصر الأمَّة فيها: لغة وثقافة واحدة لشعوب ذات تاريخ مشترك على أرض مشتركة ولها مصائر ومصالح مشتركة قد تعبّر مستقبلاً عن نفسها بشكلٍ من أشكال التكامل أو الاتّحاد بين بلدانها.

إنّ الهويّة العربية هي دائرة تتّسع، في تعريفها لـ«العربي»، لتشمل كل من يندمج في الثقافة العربية بغضّ النظر عن أصوله العرقية أو الإثنية. إنّ العروبة هي تعبير عن الانتماء إلى أمّة لها خصائص تختلف عن القوميات والأمم الأخرى حتّى في دائرة العالم الإسلامي.

وصحيحٌ أنّ هناك خصوصياتٍ يتّصف بها كلُّ بلد عربي، لكن هناك أيضاً أزمات يشترك فيها كل العرب أو تنعكس آثارها على عموم أقطار الأمَّة العربية، وهي مشاكل وأزمات تؤثّر سلباً على الخصوصيات الوطنية وعلى مصائر شعوبها. ولذلك هناك حاجةٌ ماسَّة الآن للانطلاق من رؤية عربية مشتركة لما يحدث في الأمّة العربية وحولها، وعدم الانشداد فقط للهموم الخاصّة بكلّ بلدٍ عربي، وبالتالي العمل من أجل نهضة عربية مشتركة، كما هي الحاجة أيضاً لبناء خطاب وطني توحيدي داخل الأوطان نفسها.

 

* مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن

 
طباعة Email