00
إكسبو 2020 دبي اليوم

في الأزمة التونسية.. فتش عن «النهضة»

اشتدت الأزمة السياسية في تونس، وباتت تنذر -بحسب توقعات متفائلة- ببقائها محلك سر، لا أفق لنهايتها، وأخرى متشائمة، بنشوب حرب أهلية. صراع حاد بين رئيسي الجمهورية والحكومة، وتصاعد الخلافات بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان بمساندة رئيس الحكومة.

وتضارب التصريحات بين الرؤساء الثلاثة حول الاختصاصات الدستورية، وفقاً لنظام سياسي مختلط، يجمع ما بين النظامين الرئاسي والبرلماني، وصلاحيات حددها دستور عام 2014، التي لعبت حركة النهضة «الإخوانية»، بسيطرتها على المجلس التأسيسي، الدور الرئيسي في صياغته، ما دفع الرئيس قيس سعيد للقول «إن دستور 2014 أُعد على المقاس» في إشارة صريحة إلى «النهضة»، بتركيزها صلاحيات البرلمان في الدستور على حساب سلطة الرئاسة، لكي يملك رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، بناءً على ذلك، قدرة أن يصف دور الرئيس بأنه رمزي.

ولعل عدم وجود محكمة دستورية يمكن اللجوء إليها للفصل في الخلافات بين الرؤساء الثلاثة، كان من بين الأسباب التي أطالت أمد الأزمة.

هذا فضلاً عن بث الشكوك في محاولة اغتيال رئيس الجمهورية المنتخب بخطاب مسموم، رغم العمى المؤقت، الذي أصاب إحدى معاونيه عند مبادرتها بفتح مظروف الخطاب. واندلاع مظاهرات شعبية في المدن والضواحي للمطالبة الفورية بتوفير الشغل، وبتحسين الأوضاع المعيشية، التي زادتها جائحة «كورونا» تدهوراً، فضلاً عن عجز الحكومات المتعاقبة عن توفير متطلبات التنمية، وتحريض للمتظاهرين على مواصلتها، بترويج شعارات زاعقة عن العدالة الاجتماعية الناجزة، التي تضع صانع القرار أمام مطالب تعجيزية، تحرجه أمام جماهير محقة في غضبها، من أزمة اقتصادية خانقة، لا تبشر بالخروج السريع من نفقها المظلم.

ولم يعد يخفى على أحد أن أطرافاً سياسية تسعى لإدامة تلك الأزمة والاستفادة منها، بزعم الدفاع عن الاحتجاجات الجماهيرية، فضلاً عن مدها بعوامل التواصل والبقاء في الشارع. ولا بأس من عمليات إرهابية تخلط الأوراق وتصرف الأنظار عن منبع الصراع وأصله!

فتش عن حركة «النهضة» للبحث عن أسباب تفاقم الأزمة السياسية، والدفع بها نحو حافة الهاوية. وبمراجعة بسيطة لسجل حافل بالمناورات والأكاذيب والإرهاب والدماء لجماعة «الإخوان»، سواء كانت في السلطة أو خارجها، تكشف قدرتها على حصد المكاسب، حين تعم الفوضى ويسود الارتباك، ويغيب الوعي السياسي والمجتمعي.

ألم يهبط راشد الغنوشي وجماعته على الثورة التونسية من منفاه الأوروبي، الذي طال نحو عشرين عاماً، ليقطف ثمارها، ويسعى بدأب لتغيير هوية تونس الوطنية، ويرهن مستقبل الدولة والمجتمع في يد جماعة «الإخوان»، بدعم غربي وإقليمي؟ وألم يستخدم كافة ألعاب التحايل «الإخوانية» المعهودة، لكي يتحكم في القرار السياسي لبلد لم يعد يعرفه، وبدستور خطه على مقاسه، وقانون انتخابي معيب وغير متوازن، يحقق له أغلبية نيابية مصنوعة بالاستقواء المالي، وشراء التحالفات؟!

ومن المفارقات الكاشفة أن الاحتجاجات الراهنة بدأت قبل أكثر من شهر، وكانت للمطالبة بإقصاء راشد الغنوشي عن رئاسة البرلمان لإساءته استخدام السلطة، والدعوة لمحاكمته بتهم فساد، وحل حركة النهضة.

ولأن جعبة «الإخوان» لا تنقصها المناورة، فقد وظفت ظروف المعاناة من الفقر والبطالة لتغيير دفة الاحتجاجات، وتحالفت مع رئيس الحكومة هشام المشيشي، ليخرج من الوزارة 11 وزيراً من المحسوبين على القصر الرئاسي، ويضيف بدلاً منهم وزراء قربيين من حركة النهضة، ومتهمين من قبل قوى مدنية بالفساد ومساندة الإرهاب، وهو ما حدا بالرئيس التونسي لرفض قبول التشكيل الحكومي الجديد دون تعديل، يستبعد من تم وصفهم من قبله بـ«المشبوهين والفاسدين»، قائلاً بحسم: «من تعلقت به شبهات فساد لن يؤدي اليمين أمامي».

لهذه الأسباب ولغيرها، يدفع قيس سعيد ثمن كشفه مناورات حركة النهضة، وسعيها للاستحواذ، وإجهاضها لكل مبادرة يطرحها لحل الأزمة القائمة.

المشكلة الحقيقية في هذا الوضع المأساوي المحزن، أن نخباً سياسية تونسية ترى في تلك الأوضاع البائسة، ثمناً مقبولاً للديمقراطية، وكأنه لم يكن يكفي عقد كامل من الصراع وعدم الاستقرار، لترسيخها!

المشكلة كذلك أن الديمقراطية لم تعد نموذجاً مثالياً يُحتذى به، وباتت محل مراجعة في عقر دارها الأوروبي، بعدما سمحت آلياتها الليبرالية بصعود قوى نازية وفاشية وشعبوية إلى قمة السلطة، بما يجعل النقاش يتسع حول الديمقراطية التشاركية، بديلاً للديمقراطية التنافسية، التي تختصر التنوع السياسي والاجتماعي والفكري للبلدان في صندوق انتخابي تتحكم به عوامل غير موضوعية.

وتظل الفريضة الغائبة عن الأزمة التونسية الراهنة، توحّد كل القوى والأحزاب والمنظمات الجماهيرية والنقابية المهنية والعمالية المدنية، حول هدف واضح كشمس النهار الساطعة، يبدأ بمساندة قصر قرطاج في مواجهة هجوم «النهضة» وأخواتها، وينتهي بتحرير تونس من قبضة «الإخوان».

طباعة Email