«سن التقاعد»

منذ أن انتشر خبر ترشح السيد جو بايدن للرئاسة الأمريكية دار الحديث بين الكثيرين كيف لابن الثامنة والسبعين أن يكون رئيساً لأكبر دولة في العالم فيها من هم أصغر منه سناً، وكان استنكار أبناء الدول التي تنهي خدمة موظفيها عندما يبلغون الستين عاماً المسماة سن التقاعد.

هذا الحديث أعاد إلى ذاكرتي حديثاً للمرحوم الأخ والصديق جمعة جعفر عندما طلب منه إحضار شهادة طبية تؤكد مقدرته على الاستمرار في العمل، فرد قائلاً (عندما كانت رئاسة الاتحاد السوفييتي بيد أبناء الثمانين والتسعين كانت قوة عظمى تنافس أمريكا القطب الثاني، حيث كانا يقودان العالم.

وعندما تولى قيادة الاتحاد السوفييتي أبناء الخمسين تناثرت جمهورياته كحبات السبحة المنفرطة)، ما أردت قوله: إن قضية التقاعد من العمل بسبب السن أو التقاعد المبكر بالرغبة أو الإرغام يختلف علاجه من بيئة إلى أخرى، فالبلدان ذات التعداد السكاني الضخم والإمكانات القليلة تستوجب التمسك بسن التقاعد لإعطاء الفرصة لتوظيف الأجيال المتعاقبة حتى لا يحجز الكبار الوظائف أمامهم، ويحرمون من فرص العمل أو يتم التعيين على الوظائف بأكثر مما تستحمل ويسبب ترهلاً وظيفياً.

أما البلدان ذات الكثافة السكانية المحدودة كبلدان الخليج لا حاجة للتقاعد المبكر لأن الأمر يستدعي الاستفادة من كل شخص، في مواقع كثيرة بتوطين الوظائف وحصرها على المواطنين.

باستثناء الوظائف التي لا يوجد من يشغلها من المواطنين حالياً وبدلاً من التجديد للوافدين ممن تجاوزوا السن بحجة أنهم مستشارون وخبراء كان من الأولى التمديد للمواطنين، الذين لهم رصيد معرفي وأداء عملي متميز، بدلاً من تسريحهم من الخدمة، وهنا سؤال يطرح نفسه متى سيكون لدينا مستشارون وخبراء من المواطنين.

كما أنه من الممكن معالجة ذلك بترشيح الوزراء والوكلاء وكبار الموظفين، الذين بلغوا السن أو ممن يراد إحلال آخرين مكانهم للعمل بالهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية، أو توزيعهم على مجالس إدارات الشركات الحكومية بدلاً من حصر الشركات في أسماء تتكرر في معظم الشركات تحت مفهوم «الرجال الخارقين»، وهذا من شأنه أن يتيح فرصة المنافسة والتنوع في الأداء، وجودة الناتج.

كما يمكن الاستفادة من صغار الموظفين بتكليفهم بالعمل في سفارات الدولة بالخارج بالعمل الإداري والمالي والإعلامي والعلاقات، والاتصال، بنظام العاملين غير المحليين وسفارات الدولة منتشرة في كل قارات العالم المختلفة.

وكثير من الدول تمارس هذه الممارسات مع موظفيها من مواطنيها، ومن الأمثلة على ذلك أذكر عندما كنت دبلوماسياً في سفارة الدولة بتونس كانت الحكومة التونسية كلما تم تغيير وزاري نُقل السابقون سفراء أو قناصل عامين في الخارج، أو يتم تعيينهم أعضاء مجالس إدارات لبعض الشركات العامة، وهذا ينطبق على كثير من البلدان.

قد يحتج البعض بأن الذين يحالون إلى التقاعد نتاج عهد قديم لم يتعودوا على الإدارة الحديثة، ولن يضيفوا جديداً والرد على ذلك أن بإمكان من بيدهم الأمر إعداد البرامج التأهيلية التي تعد الكوادر والقيادات أن تضع البرامج المؤهلة لهم.

كما أن هؤلاء قد تلقوا تعليمهم على حساب الدولة وخلال فترة عملهم اكتسبوا خبرات عملية وانتظموا في دورات ومثلوا الدولة في اجتماعات ومؤتمرات. أما الذين تقاعدوا من تلقاء أنفسهم للتوجه إلى العمل الحر، فيتم دعمهم وتسهيل مهمتهم ليكونوا منتجين ومساهمين في عملية التنمية، بدلاً من تحويلهم إلى طاقات معطلة والتعجيل بتحوّلهم إلى العيادات النفسية ودور المسنين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات