متغيرات ومواقف

يشهد العالم في الآونة الأخيرة تغيرات كثيرة متنوعة، صحية واقتصادية وسياسية، وليس ذلك بأمر غريب في مسيرة التاريخ، الذي يسير منذ نشأته الأولى في حركة تغير مستمرة، دون ثبات ولا استقرار، فأحوال العالم، كما قال ابن خلدون «لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على مر الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال»، ولذلك قيل في الأمثال الشعبية «دوام الحال من المحال»، وهذه التغيرات تلقي بتأثيراتها وانعكاساتها في حاضر المجتمعات البشرية ومستقبلها.

إن هذه الحقيقة المحتَّمة والسنة الكونية الجارية تتطلب أموراً عديدة، من أهمها فَهْم طبيعة هذه المتغيرات التي تستجد، للتمكن من حسن التعامل معها، سواء كانت متغيرات سياسية أو اقتصادية أو صحية أو غيرها، فبدون فهم طبيعتها وسبر أغوارها والإلمام بأبعادها وجوانبها، لا يمكن بناء التصورات الصحيحة حولها، ولا اتخاذ المواقف والقرارات السديدة تجاهها، فإن بناء المواقف مبني على حسن تصور الأحداث، لتتسم هذه المواقف بالحكمة والتعقل وتحقق المصالح وتدفع المفاسد.

ولا شكَّ بأن المعنيِّين على وجه الخصوص بدراسة وتحليل هذه المتغيرات هم الخبراء المختصون، الذين يتعمقون في فهمها، ويتوغلون عميقاً لبلوغ خفايا حقائقها وتأثيراتها، لرسم الخطط والمواقف، وإذا كان الأمر على مستوى التهديدات الفيروسية يحتاج إلى خبراء ومجاهر خاصة لاكتشاف أسرار هذا الفيروس أو ذاك، واتخاذ ما يلزم، فإن المتغيرات العالمية الأخرى لها خبراؤها ومجاهرها الخاصة كذلك.

ومما تقتضيه هذه الحقيقة البعد عن التصورات الفردية في أي مجال من المجالات، والانخراط في الرؤية الاستراتيجية التي تتبناها القيادة الحكيمة في التعامل مع كافة المتغيرات، والتي هي مبنية على رؤية عميقة ونظرة دقيقة، فإن القيادة السياسية من طبيعتها أن تطلع على أمور كثيرة لا يطلع عليها عامة الناس، وهي حريصة على تحقيق المصالح العليا التي يعود نفعها على الجميع، كما أنها حريصة على تحويل التحديات إلى فرص يحسن استثمارها فيما فيه خير البلاد والعباد.

ومن المواقف المهمة أمام المتغيرات، أن يتحلى الإنسان بالحكمة في أقواله وأفعاله، ويحرص على المواقف العقلانية الصحيحة المتزنة، متحلياً بالانضباط وروح المسؤولية، ليكون خير سند لوطنه ودولته، ولا يكون ثغرة يستغلها المتربصون بالأوطان.

ومن المواقف المهمة أمام المتغيرات والواجبة على كل فرد الالتفاف حول القيادة الحكيمة في رؤيتها وقراراتها، وتعزيز التكاتف والتلاحم والتعاضد في المجتمع، والإيمان بأن كل فرد في وطنه لبنة من لبناته، وأن الوطن صرح متكامل متين، ينهض بمجموع أبنائه، ويرتقي بتعاون أفراده، كما جاء في الحديث النبوي: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وفي الحديث الآخر: «مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، والمحافظة على الوطن والتي هي ثابت من الثوابت الكبرى أمام المتغيرات، مهما كانت أشكالها وألوانها، وتعكس المعادن الأصيلة لأبنائها، وقيمهم الوطنية المتجذرة في وجدانهم.

ومن المواقف تجاه المتغيرات على مستوى الأوطان مساندة بعضها لبعض، ووقوفها بجانب بعضها أمام التحديات، وقد ضربت دولة الإمارات أروع الأمثلة في ذلك، بتكاتفها مع أشقائها، من دول الخليج والدول العربية والإسلامية والأصدقاء في كل مكان، وقد بنت في ذلك جسوراً دبلوماسية وإنسانية واقتصادية وغيرها.

ومما ينبغي أمام المتغيرات كذلك على مستوى الأفراد والأسر استصحاب الأمل والتفاؤل، فإن هذه المتغيرات سنة كونية، جارية بأمر الله تعالى، كما قال سبحانه: {كل يوم هو في شأن}، وأسرار هذه الأقدار الجارية إلى الله تعالى، والمؤمن ينظر إليها بعين الشكر في الرخاء، وعين الصبر في الضراء، ويتحلى في ذلك كله بحسن الظن والرجاء، واليقين بالله تعالى، والإيمان بحكمته ورحمته وفضله وإحسانه، قال ابن القيم: «أفعال الله تعالى في ملكه دائرة بين العدل، والإِحسان، والحكمة، والمصلحة، والرحمة».

وكم جرت في الماضي من أحداث، وكم وقعت من شدائد، وانفرجت بعد فترة، بفضل الله تعالى، ثم بجهود القيادة الحكيمة، وتكاتف المجتمع، وروحه العالية، وخرجت الدولة من ذلك إلى أحسن حال وأفضلها، وحصل بذلك خير عظيم، وتحققت إنجازات كثيرة.

 

 

 

طباعة Email