«دبلوماسية اللقاح» تقود القرن الواحد والعشرين

سيكون 2021 عام تطعيم سكان العالم ضد فيروس «كورونا» المستجد (كوفيد 19)، حيث في أقل من عام منذ انتشار الوباء، تم تطوير العديد من اللقاحات وباستخدام أحدث التقنيات، ويتم حالياً شحنها وتوزيعها إلى بلدان العالم. ولأول مرة في التاريخ، يتساءل الغالبية العظمى من سكان المعمورة عن أي لقاح يجب أخذه، وذلك بناءً على التكنولوجيا المستخدمة أو الشركة المطورة وفي أي دولة تم تصنيعها.

وباتت أسماء اللقاحات ودول التصنيع مألوفة للغاية وفي المحادثات اليومية مثل لقاح «فايزر بيونتيك» الأمريكي والألماني، أو «موديرنا» الأمريكي، و«سينوفارم» الصيني، أو «سبوتنيك في» الروسي، و«أوكسفورد استرازينيكا» البريطاني. وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، شهدنا قادة العالم يأخذون جرعات اللقاح من خلال حملات تطعيم وطنية للقضاء على الوباء.

نعم، لقد تسببت الجائحة في إغلاق كبير للحدود، وأجبرت الدول على تبني اقتصادات مغلقة، ومع ذلك خلقت الجائحة طرقاً جديدة لتعزيز التعاون الدولي بين الدول من خلال تبني العلم والتكنولوجيا. على سبيل المثال، تم تبادل المعدات الطبية والأقنعة ومعدات الحماية الشخصية، والآن من خلال تصنيع وتوزيع اللقاح، حيث أعاد إلى دائرة الضوء «دبلوماسية اللقاح» والذي لم يتم استخدامه على نطاق واسع من قبل.

«دبلوماسية اللقاح» يقع ضمن قطاع الصحة العالمية، ويعتمد على تصنيع اللقاحات وتوزيعها. ترتبط «دبلوماسية اللقاح» بالسياسة الخارجية للدول لأنها تعتمد بشكل كبير، ليس فقط على القضاء على الوباء، وإنما على بناء الجسور وتعزيز التعاون الدولي بين البلدان، ولذلك يعتبر شكلاً من أشكال الدبلوماسية «الناعمة والذكية» للقرن الحادي والعشرين. والدولة التي تعتبر رائدة في تصنيع وتوزيع اللقاح لجميع أنحاء العالم، ستتمتع بسمعة قوية وستعزز نفوذها الدبلوماسي في المستقبل.

ويشرح الدكتور بيتر هوتيز، رئيس معهد سابين للقاحات عن أهمية «دبلوماسية اللقاح» في السياسة الخارجية، «في حين أن السجلات التاريخية والحديثة لدبلوماسية اللقاحات مثيرة للإعجاب، إلا أنها لم تؤد بعد إلى إطار عمل شامل ومؤثر سابقاً في السياسة الخارجية، قد يكون إنشاء مثل هذا الإطار مفيدًا بشكل خاص».

تم اكتشاف أول لقاح في عام 1798، بواسطة الطبيب البريطاني إدوارد جينر عندما نشر بحثه حول استخدام فيروس جدري البقر للتحصين ضد فيروس الجدري البشري. وفي غضون 10 سنوات أصبح لقاح الجدري مستخدماً بشكل شائع في كل من إنجلترا وفرنسا.

حث القادة مثل نابليون على إنشاء أقسام للقاحات في جميع المدن الرئيسية في الإمبراطورية الفرنسية. وتم انتخاب إدوارد جينر عضواً في معهد فرنسا عام 1811، وذلك خلال فترة الحرب بين إنجلترا وفرنسا. وأعرب جينر في رسالة إلى المعهد الوطني الفرنسي أن «العلوم ليست في حالة حرب أبداً».

وخلال الجائحة الصحية الحالية، قامت دول مثل الهند والصين والولايات المتحدة بتضمين «دبلوماسية اللقاح» في سياستها الخارجية من خلال تعزيز جهودها العلمية في تطوير اللقاح وتوزيعه لتعزيز نفوذها وقوتها الناعمة بشكل استراتيجي، حيث تنفذ الهند «سياسة الجوار أولاً»، بإرسال ملايين اللقاحات إلى جزر المالديف، وبوتان، وبنغلاديش، ونيبال، بينما تقوم الصين بتبني مبادرة «طريق الحرير الصحي» لزيادة حصتها في سوق اللقاح العالمي من خلال الترويج للقاح المصنع لديها، وتتبنى سياسة «إفريقيا أولاً» من خلال تزويد اللقاح لها وللدول التالية مثل البرازيل والمغرب وإندونيسيا، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن شبكة «سي إن إن» الإخبارية.

انضمت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى سباق «دبلوماسية اللقاح»، حيث احتلت المرتبة الثانية في العالم بتلقيح 2،246،069 من إجمالي سكانها البالغ 9 ملايين نسمة، من بعد إسرائيل مباشرة، وتهدف إلى تطعيم نصف إجمالي سكانها بحلول أبريل 2021، وفقًا لمجلة الإيكونوميست.

أصبحت دولة الإمارات مركزاً للقاح في منطقة الشرق الأوسط، حيث كانت أول دولة في المنطقة تتعاون مع الصين وروسيا في تصنيع وتجارب اللقاح، وتقوم الآن بتوزيع اللقاح من خلال طيران الإمارات و«ائتلاف الأمل»، وذلك لجميع أنحاء العالم.

أرسلت دولة الإمارات مؤخراً أول شحنة لقاح إلى جمهورية مصر العربية، ما أظهر عمق العلاقات الأخوية والتاريخية بين البلدين، وهذا مثال على الدور القوي الذي سيلعبه اللقاح في وضع ملامح السياسة الخارجية للمنطقة. وفي الأشهر المقبلة، ستستخدم دولة الإمارات العربية المتحدة موقعها الجغرافي الاستراتيجي كممكن رئيسي لتوزيع اللقاح بين دول الغرب والشرق والقارات الخمس.

بما أنه من المتوقع أن تكون الأوبئة جزءاً كبيراً من واقع القرن الحادي والعشرين، فهل سنشهد أن تصبح «دبلوماسية اللقاح» جزءاً مهيمناً في السياسة الخارجية للدول؟ وهل ستحدد نظاماً عالمياً جديداً يتأثر بقوة اللقاح؟

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات