مواكبة الفقه الإسلامي للأزمات

من طبيعة الحياة تَعرُّض الأفراد والمجتمعات في بعض الأحيان لأزمات عارضة، سواء كانت أزمات صحية أو اقتصادية أو غيرها، وقد راعى الفقه الإسلامي هذه الواقعية، وتميّز في أحكامه وقواعده بالمرونة لمواكبة ذلك، سواء عبر أحكام وتشريعات جاء التنصيص عليها، أو عبر أصول وقواعد تُمكِّن المجتهد من استنباط الأحكام المناسبة للأزمات الطارئة في مختلف الأزمنة والأمكنة استناداً إلى أسس علمية راسخة.

ولقد تجلَّى ذلك في العصر النبوي، فنزلت الكثير من التخفيفات والرخص التي واكبت أزمات فردية أو مجتمعية، للتخفيف والتيسير على الناس، والأمثلة على ذلك كثيرة من خلال أسباب نزول الآيات وورود الأحاديث، فقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} نزل في كعب بن عُجْرة رضي الله عنه عندما أصاب رأسه القمل وهو محرم، فكان ذلك رخصة للمحرم بحلق شعر رأسه أو فعل شيء من محظورات الإحرام إذا احتاج إلى ذلك لعلة، وهكذا في أمثلة أخرى كثيرة جاءت في وقائع وشخوص أصيبوا بأزمات لرفع الحرج عنهم.

وإذا تأملنا الصلاة التي هي من أعظم أركان الإسلام، لوجدنا فيها نموذجاً واضحاً على مراعاة الفقه الإسلامي للأزمات الخاصة والعامة، من خلال ما جاء فيها من تخفيفات ورخص تنوعت أشكالها، فعلى مستوى المرض الذي قد يصيب الفرد جاءت التخفيفات المتنوعة، من أنواع الطهارة الممكنة، وأوضاع الصلاة المستطاعة قياماً أو جلوساً أو على جنب أو استلقاء، وكذلك من جهة مواقيت الصلاة، فرُخِّص للمريض والمسافر ونحوهما جمع الصلوات، وكذلك من جهة عدد الركعات، فشُرّع للمسافر القصر، وكذلك في حالة الحرب شُرعت كيفيات متنوعة لصلاة الخوف مراعاة لظروف المعركة، قال الخَطَّابي: «صلاة الخوف أنواع، صلاَّها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتحرَّى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة».

وكذلك ما جاء من التخفيفات الكثيرة في أبواب الطهارة والصيام والحج وغيرها من العبادات، وسار على ذلك الفقهاء في مصنفاتهم استناداً لأدلة الشرع وقواعده التي تراعي ظروف الإنسان وأحواله وحاجاته، فمن ذلك قول ابن قدامة: «إن احتاج الإنسان إلى الزواج، وخاف على نفسه المشقة، قدَّم التزويج على الحج»، وقال الإمام مالك: «إن وجد ثمن الماء غالياً غلاءً فاحشاً تيمَّم»، ولو تتبعنا كتب الفقه لوجدنا ما لا يمكن حصره من أمثال هذه المسائل.

وهذه التخفيفات تنصب في حفظ النفس ورعايتها ومراعاة ظروفها وأحوالها؛ تخفيفاً عليها، وتيسيراً لها، وقد راعت مختلف الجوانب، الصحية والاقتصادية والاجتماعية وأحوال السِّلم والحرب والسفر والإقامة.

وفي ظل جائحة «كورونا» المستجد التي داهمت العالم كانت الحاجة ماسة للاجتهادات الفقهية التي تواكب هذا الحدث الجلل، ولذلك قامت العديد من جهات الفتوى في العالم الإسلامي بإصدار الفتاوى التي تواكب هذه الأزمة منذ بدايتها، للتصدي للجائحة والحد من انتشارها، والتيسير على الناس في الأحكام، ومن هذه الجهات مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، التي كانت سبَّاقة في هذا الباب.

فقد أصدر مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي العديد من الفتاوى خلال أزمة «كورونا»، والتي أكد فيها وجوب التقيّد بالأوامر الصادرة بمنع الاجتماعات وتوقيف صلاة الجماعة والجمعة لوجود العذر الشرعي المانع من إقامتها، والترخيص بالفطر في رمضان لمن تظهر عليهم أعراض المرض، أو يعانون من أمراض مزمنة وضيق في التنفس، والترخيص بالفطر للكوادر الطبية المعنيين بمواجهة الوباء، إذا خافوا أن يؤدي صومهم إلى ضعف مناعتهم أو تضييع مرضاهم، وكذلك صلاة التراويح والأعياد في البيوت، وجواز تعجيل الزكاة لمساعدة النَّاس على قضاء حوائجهم في ظل هذه الظروف، وكذلك جواز استعمال لقاحات «كورونا»، حتى لو اشتملت في مكوناتها على مواد نجسة أو محرمة، إعمالاً لمقاصد الشريعة وقواعدها الفقهية.

وهي أحكام تراعي ظروف هذه الأزمة، وقد يزول بعضها بسبب متغيّرات الواقع، كما في عودة إقامة صلاة الجماعة والجمعة في المساجد، وقد يبقى بعضها لبقاء العلة، وقد تستجد أحكام جديدة بتغيّر الظروف والأحوال، فكما قال ابن القيم: «الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد».

 

 

طباعة Email