مفكرة عام 2021

الدخان كثيف في أجواء السياسة العالمية، الإقليمية والعربية. التوقيت لم يسبق له مثيل، الحرب دائرة، العدو مجهول، حرب بلا دول حلفاء أو دول محور.

«كورونا» يعيد ترتيب العالم. نظام عالمي جديد، لا يقوم مثل سابقيه على أنقاض الحروب.

المخاض السياسي يحمل الكثير من المفاجآت، من يملك المعرفة والعلم، سيجلس مبكراً على مائدة إدارة العالم.

اللحظة لا تزال غامضة، لكننا نتكئ على جدران الآمال، في لقاح له مفعول السحر في تحديد هوية النظام العالمي الجديد.

الحرب «الكورونية» تتزامن مع حروب أخرى، في نفس مسار الغموض والحظر، منها الحرب «السيبرانية»، وحروب الأجيال المتسارعة والمتلاحقة. السنوات العشر المقبلة، ستكون لها كلمة فاصلة في إعادة رسم الهوية العالمية، بكل توازناتها السياسية والاقتصادية والثقافية.

ونحن في بداية عام 2021، يحدونا الأمل والطموح، لكن المهمة صعبة، مفكرة العام الجديد مليئة بتركة ثقيلة من ميراث الأعوام السابقة، أولها ذلك الفيروس اللعين، اللقاحات صارت واقعاً على الأبواب. تعددت مصادرها، مصائر الشعوب معلقة بها، تجارب المختبرات تواصل أبحاثها، لإيجاد دواء ناجح لإنقاذ البشرية، لا أحد يعلم على وجه الدقة إلى أين تسير نهاية الفيروس؟

معركة الوباء مستمرة، لا نملك سوى الحيطة والحذر، لضبط الساعة على توقيت الأمل، نسارع في ملاحقة الأخبار، عسى أن نجد بشرى جديدة تهدئ من روع العالم، على قدر فداحة الكارثة والخطر، على قدر الطموح والعزيمة والتفاؤل بالانتصار على هذا الفيروس. التاريخ يشهد على تجارب أخرى أكثر قسوة.

استلهموا المنحة من رحم المحنة. التاريخ شاهد على انتصار البشرية على الأوبئة كالطاعون والإنفلونزا الإسبانية والكوليرا، والحروب العالمية. علينا الثبات والتماسك وقوة المواجهة، في نهاية النفق لا بد من ضوء قوي.

التحديات في دفتر أحوال العام الجديد مليئة بالمهام الجسام. فيروس «كورونا» على خطورته يمثل أحد هذه التحديات.

أما التحديات الأخرى، التي لا تزال عالقة وتستمر معنا آثارها في عام 2021، فمن بينها الصراع العالمي بين القوى العظمى المختلفة، وانعكاس هذا الصراع على المنطقة العربية.

التجاذبات عميقة بين الصين، الطامحة في استبدال مكان النفوذ، وبين الولايات المتحدة، الجالسة على المقعد الأول العالمي.

وروسيا ليست ببعيدة عن حلبة المنافسة، أوروبا والهند تقفان على الخط الاستراتيجي لاقتناص التوقيت المناسب لإحراز أهدافهما في شباك العالم، لتستعيدا ذاكرة الإمبراطوريات التي لا تغيب عنها الشمس.

صراعات هذه القوى تترك آثارها العميقة على الإقليم العربي، الذي لا يزال جريحاً بفعل أحداث ما يسمى بـ«الربيع العربي».

المنطقة العربية تستقبل عاماً جديداً، وبعض عواصمها لا يزال في غرف العناية المركزة.

دمشق، تواصل صمودها والتقاط أنفاسها، لكن تحتاج المزيد من الأوكسجين السياسي، وبغداد تحاول التعافي واستعادة هويتها العراقية الخالصة، أما صنعاء فلديها الأمل العميق، والثقة بعودة الدولة اليمنية الوطنية، بعيداً عن بارود الطوائف، وعنف الجماعات الإرهابية، وها هي بيروت تتصدر ترتيباً متقدماً يفرض نفسه داخل مفكرة العام الجديد، فالشعب اللبناني يريد حكومة تعبر عن الجميع، ولا تعبر عن المحاصصة والطائفية، ولا تدار بـ«الريموت كنترول» من عواصم خارج لبنان.

أما الملف الأكثر تعقيداً، في مفكرة 2021، فهو المتعلق بالأزمة الليبية.

التهديد التركي لوحدة الشعب الليبي لا يزال قائماً، بل يزداد اتساعاً، الأدوار الوظيفية لنظام أردوغان، يواصل مهامه التخريبية. حساباتهم الجديدة تتضمن أوهام السيطرة على الغرب الليبي، الأكاذيب «العثمانلية» لن تجد صدى لها أمام وحدة الشعب الليبي الحتمية.

الأحلام التوسعية لأردوغان، ستتحطم - قطعاً - على صخرة الوحدة العربية، التي ستقوم هذه المرة على التكامل وليس التفاضل، لا وقت للوقوف في المنتصف، ولا مجال لإعادة أجواء عام 2011.

لا بديل عن استعادة عافية الدولة الوطنية، في جميع ربوع دول الإقليم العربي، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

هذا التحدي يصب في مصلحة قضية العرب المركزية «القضية الفلسطينية»، بوجود دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس الشرقية، على حدود الرابع من يونيو 1967.

كل هذه التحديات، سواء التي يفرضها الصراع العالمي، أم التي تنعكس على الإقليم والمنطقة العربية، أم التي توارثناها من الأعوام السابقة، سيكون عام 2021، فاصلاً في إعادة تحديد هوية كل منها، وفي تحديد ملامح النظام العالمي الجديد، وإعادة ترتيب أوراق العواصم العربية، في التصدي لكل التحديات المستقبلية.

* رئيس تحرير «الأهرام العربي»

طباعة Email