خطر التوظيف الأيديولوجي للدين

غزت العالم الإسلامي منذ القرن الماضي، أيديولوجيات مختلفة، أرادت أن تمتطي صهوة الدين لتحقيق أجنداتها ومصالحها الخاصة، وظهرت العديد من التيارات الدينية ذات الطابع الأيديولوجي، التي سعت لغزو العقول والاستقطاب، بغية كسب نفوذ سياسي، والوصول إلى السلطة، لتحقيق أجنداتها المظلمة ورؤاها الضيقة.

واتخذت هذه التيارات توظيف الدين نهجاً لها، لما يمثّله الدين من مكانة كبيرة في نفوس الشعوب، وعلى إثر ذلك، ظهرت التأويلات المنحرفة للنصوص الدينية، والتي تهدف إلى تحريف الآيات والأحاديث عن دلالاتها الصحيحة ومقاصدها القويمة، لتتواءم مع المفاهيم والأجندات الخاصة بتلك التيارات، وظهرت العديد من المصطلحات التي استخدمتها هذه التيارات لخدمة توجهاتها السياسية، ومن أبرزها مصطلح الحاكمية، التي أصبحت محور الخطاب الديني لدى هؤلاء، ومنطلقاً لهم لإسقاط الحكومات، ونزع الشرعية منها، وتوجيه تهم التكفير للدول والشعوب.

وكان التيار الإخواني، أحد أبرز هذه التيارات التي غرقت في أوحال التوظيف الأيديولوجي للدين، على يد مؤسسه الأول، حسن البنا، ثم ازداد إغراق هذا التيار في مستنقع التوظيف الأيديولوجي، على يد سيد قطب، وتوالى ذلك على يد المنظرين لهذا التيار، وصولاً إلى القرضاوي وأمثاله، من الذين استغلوا منابر الجمعة والمنصات والمنابر الإعلامية، لخدمة الأهداف السياسية للتيار الإخواني، وخاصة في أحداث فوضى 2011، وما تبع ذلك من الصعود السياسي للإخوان، ثم السقوط المدوي لهم، بعد فشلهم الذريع، فكانت هذه الأحداث كلها نموذجاً شاهداً على ما مورس من توظيف أيديولوجي حاد للدين، من قبل أتباع هذا التيار، لتمرير مشروعهم السياسي، الذي لفظ أنفاسه، وهو ما اقترن أيضاً بتوظيف أيديولوجي لحقوق الإنسان والحريات المدنية، لإقناع الغرب بمشروعهم الفاشل.

كما تمثلت مظاهر التوظيف الأيديولوجي للدين، باتخاذه مطية لتشريع العنف المسلح، والخروج عن مقاصد الدين الكبرى، ومن أبرزها، حفظ النفس، إلى أضداد ذلك، من القتل والسلب، وهتك الأعراض، وتدمير الدول والمجتمعات، وانتهجت هذا النهج بشكل صريح، تيارات كالقاعدة و«داعش» وغيرها، والتي تعتبر امتداداً لتيارات العنف المسلح، التي ظهرت في العالم الإسلامي عبر التاريخ، منذ القرن الأول، وكان من أبرز من سلكوا هذا المسلك، الخوارج، الذين شرعنوا العنف المسلح، بل جعلوه جزءاً لا يتجزأ من إنكار المنكر، واسترخصوا في سبيل ذلك سفك الدماء، وهدم الدول وإضعافها، عبر الثورات المسلحة، وقد ظهرت النزعة الدموية لهذه التيارات، منذ أيامها الأولى، فيذكر التاريخ لنا واقعة مؤلمة، تعكس دموية هؤلاء ووحشيتهم، وهو ما فعله الخوارج مع عبد الله بن خباب من كبار التابعين، وعدَّه بعض أهل العلم من الصحابة، حيث ذبحوه، وقتلوا امرأته الحامل، وبقروا بطنها، دون أي رحمة أو شفقة، وهكذا أيضاً انعكس النهج الدموي للتيارات الإرهابية المعاصرة، في وقائع شيطانية، ترجمت وحشيتهم بأقسى مظاهرها.

ولم يقتصر التوظيف الأيديولوجي للدين على التيارات الدينية فقط، بل تعدى ذلك ليشمل طبقات من المثقفين، الذين انتهجوا نهج القطيعة مع السلطة، وكرسوا فكر المعارضة كنهج للمثقف السوي في نظرهم، واستدعوا بعض التيارات القديمة، كالخوارج والمعتزلة، في أطروحاتهم، لدعم مشاريعهم السياسية، حتى إن بعضهم جعل الثورات المسلحة للخوارج مزية لها، وأنها تعكس كونها أحزاباً سياسية معارضة، وأما مبدأ طاعة الحكام، فهو في نظرهم مبدأ اخترعه الأمويون، لتعزيز سلطتهم.

وقد أثقلت هذه التجاذبات الأيديولوجية للدين، كاهل المجتمعات، وأحدثت انقسامات واصطفافات خلف هذه الأيديولوجية أو تلك، ومع ظهور الثورات التقنية، وبروز مواقع التواصل الاجتماعي، سارعت التيارات الأيديولوجية لاستغلال ذلك لخدمة أجنداتها، ونشر التفاسير المغلوطة للدين، للتأثير في العقول واستقطابها.

إن الواجب يُحتّم على العلماء وطلاب العلم والمثقفين والمفكرين، صيانة الدين من أي توظيف، وإبراز دوره الحق في التديُّن الرشيد، والارتقاء وتعزيز القيم الإيجابية، بعيداً عن أي مطمع وغرض، وهو ما حرص عليه العلماء الربّانيون منذ فجر الإسلام، حيث ركّزوا على مبدأ الإخلاص في الدعوة، والتجرّد من الأغراض والأهواء، كسمة أساسية من سمات من يمارس الخطاب الديني.

وتعزيزاً لذلك، اعتنت دولة الإمارات بالخطاب الديني المعتدل، وحرصت على ضبط الفتوى، والتصدّي للتيارات المتطرّفة، لتخليص الدين من أيادي المتاجرين، وترسيخ قيمه السمحة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات