00
إكسبو 2020 دبي اليوم

الاختبار الأكبر لأداء الكوكب

الكوكب مقبل على اختبار ضخم، وهو اختبار متعدد الأفرع. منه ما هو موجّه للأنظمة والحكومات لقياس درجة الأداء والإدارة والمصداقية. ومنه ما تخضع له المراكز البحثية العلمية المنتشرة في مشارق الأرض ومغاربها، ليتم تقييم علمها وقياس أدائها وتصنيف قدراتها. ومن أبرز الخاضعين للاختبار، شركات تصنيع الدواء واللقاح الكبرى في العالم. ولهذه سيكون هناك اختباران رئيسان: الأول سياسي لوجيستي اقتصادي، والثاني إنساني بحت. ويحوي الجدول كذلك اختبارات للشعوب، وذلك لقياس درجات الفساد والالتزام، وتقييم مقدار الإنسانية، الذي تتمتع به كل فئة، هي عناوين للاختبار الضخم الذي نحن مقبلون عليه.

اللقاحات المخصصة للوقاية من جائحة العصر، و«بعبع» القرن الـ 21 «كوفيد 19»، أصبحت واقعاً ملموساً. انتهت أشهر التحضير والتنويه إلى فعالية لقاح والآثار الجانبية لآخر، والميزات الإضافية لثالث، وما أعقبها من حروب بعضها خفي، حيث طعن في لقاح لحساب آخر، والبعض الآخر فج مباشر، حيث ترجيح لكفة لقاح لأسباب تحوي الكثير من الاقتصاد، وقدر من السياسة. واليوم، تهيمن أخبار بدء وصول ملايين اللقاحات لدول شتى في الكوكب، وبدء عملية التحصين في عدد من الدول.

وأغلب الظن أن العدادات التي ظلت أعين سكان الكوكب مثبتة عليها طيلة عام مضى من الوباء، حيث قفزات الإصابة، وشطحات الوفيات، وأعداد المتعافين، ستحول دفتها صوب قفزات التحصين، وشطحات اللقاحات، وأعداد الحاصلين عليها. وستتواتر أخبار من هنا وهناك عن أنواع اللقاحات المختلفة، وموادها الفعالة، وآثارها الجانبية، وأسعارها الفعلية. ومعها ستتزاحم وتتشابك تحليلات ورؤى للمتخصصين عن حق، ومعهم الخبراء الذين اكتسبوا خبراتهم العلمية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإعادة تدوير التدوينات والتغريدات عن العدالة الكونية في الحصول على اللقاح، دون النظر إلى الدول الغنية والفقيرة، أو القوية والضعيفة. وسيتحدثون كذلك عن العدالة المحلية، ويقيّمون أداء كل دولة في تطبيق مبدأ العدالة، دون محسوبية أو مظلومية.

ولأن مخاوف الظلم وآمال العدل، تسيطر على الأجواء هذه الأيام، فإن الحديث عن عدالة مطلقة في الحصول على اللقاح، هو أشبه بالمكوّن الرابع، بعد الغول والعنقاء والخل الوفي. لكن ما يمكن أن نطمح إليه، هو تعظيم قدرات الدول لتأمين احتياجات شعوبها قدر المستطاع.

لكن قدرات الدول لا تعمل وحدها، فهي تؤثر وتتأثر بكل ما سبق من أطراف ولاعبين: مراكز الأبحاث، شركات الدواء واللقاح، هيمنات وموازنات سياسية واقتصادية تسيطر على العالم، جماعات ومجموعات المصالح العالمية والمحلية، والتي تطمح وتطمع في تكوين ثروات في أزمنة الحروب والكوارث، وغيرها كثير.

الاختبار صعب ومثير. وهو لن يتوقف عند حدود كشف قدرات الدول، وتفنيد وعود الإنسانية والعدالة والمسؤولية المجتمعية والأخلاقية، التي تتحدث عنها شركات كبرى منذ عقود. لكنه سيمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فخارطة بيع وشراء اللقاحات، والأعداد التي يجري تحصينها، والفئات المختارة، والأسعار المتفق عليها، وقدر الدعم المخصص لها، وفتح مجال تبرّع الدول الغنية للفقيرة، سترسم معالم جديدة للكوكب برمته.

إنه وقت سقوط الأقنعة وانكشاف النوايا. صحيح أن المثل الشعبي يقول «ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع»، لكن الأمر يحتاج قدراً من الضبط الأخلاقي، والربط الإنساني. الأسابيع القليلة المقبلة، سترسم معالم أولية للنظام الدولي الجديد. هذه المرة، لن تحدده حروب كبرى فقط، أو ترسمه دول عظمى وحدها، لكنه نظام ترسمه شركات وجماعات مصالح، وأنظمة سياسية وتحالفات أممية.

النظام الدولي الجديد، سيحيل قضايا كبرى، مثل أزمة المياه، وقضايا اللاجئين والنازحين، وتغيّر المناخ، وغيرها إلى التقاعد المؤقت. وبحسب ما ستسفر عنه خارطة اللقاحات في الأشهر المقبلة، سيتحدد شكل العالم وقضاياه وأزماته الجديدة، أو المستعادة من غرفة التخزين.

وإذا كانت غرف تخزين اللقاح بالمقاييس المطلوبة، من درجة حرارة بالغة التدني، تصل إلى 70 درجة مئوية تحت الصفر، لضمان السلامة والأمان، أحد أكبر التحديات الآنية، فإن غرفاً أخرى تدور فيها أنشطة محمومة هذه الآونة أيضاً، ولكن لأغراض مختلفة.

تصنيع اللقاح وبيعه، والأعداد المتوافرة، والفئات ذات الأولوية، وغيرها، لن تمر مرور الكرام، لدى أطراف مهمتها الرصد والمتابعة، وبث الفتنة ونشر الدسائس. وجميعنا يعلم أن منصات التواصل الاجتماعي -رغم كل محاسنها وفوائدها- إلا أنها صارت أداة طيّعة في أيدي البعض. الميليشيات الإلكترونية - ومنها أذرع عنكبوتية لأنظمة سياسية - تستعد لأداء عملها، ولكن في ضوء طرح اللقاح وتوزيعه وإتاحته. سنفاجأ في الأيام القليلة المقبلة، بكمّ هائل من النشاط العنكبوتي المفنّد لأداء الدول، والمقيّم لإتاحة اللقاحات للمواطنين. وستصدر أحكام «فيسبوكية» و«تويترية»، تجعل من هذه الدولة أيقونة في عدالة التحصين، وتحوّل تلك إلى مجرمة في الإتاحة والحماية.

إنه اختبار ضخم، يحتاج استعداداً أضخم، ليس فقط باللقاح، ولكن بالوقاية المعلوماتية، والمصداقية الخبرية.

طباعة Email