العمل التطوعي.. سلوك حضاري

في الخامس من ديسمبر من كل عام تحتفل كافة شعوب الأرض بـ«اليوم العالمي للعمل التطوعي»، ويعد الغرض من ذلك النشاط هو شكر العمال المتطوعين على ما يبذلون من جهود، بالإضافة إلى العمل على زيادة وعي المجتمعات حول المساهمة في ترسيخ ثقافة الأعمال التطوعية في مجتمعاتهم. ويعد يوم «العمل التطوعي» برنامجاً عالمياً للتنمية والسلام تقوم برعايته الأمم المتحدة بهدف تحقيق التنمية المستدامة، منذ إعلانه في عام 1985.

والمفهوم السائد للعمل التطوعي بأنه هو الجهد الذي يبذله أي إنسان بلا مقابل لمجتمعه بدافع منه للإسهام في تحمل دوره نحو وطنه؛ وهو يقوم أساساً على الرغبة والدافع الذاتي، حيث لا يوجد أي شكل من أشكال الإجبار في التطوع. والمتطوع لا ينتظر مقابل مادي، فالهدف قناعته مما يقوم به من عمل وهو أداء واجب اجتماعي، وإذا حصل المتطوع على مقابل مادي فلا بد أن يكون هذا المقابل رمزياً؛ ولا يوازي الجهد والوقت الذي بذله. وللتطوع أشكال عدة كالتطوع بالوقت، والتطوع بالجهد، والتطوع بالمال (التبرع)، التطوع بتقديم المعلومات، التطوع بتقديم الاستشارات، وغيره من الجهد والعطاء الإنساني المستحب.

وفي يونيو من عام 2017 دشن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أحد أهم مشروعات «عام الخير» 2017، وهي «المنصة الوطنية للتطوع» والهادفة لتسجيل 200 ألف متطوع من المواطنين والمقيمين مع نهاية ذلك العام، والتي سجل فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نفسه متطوعاً في مجال صناعة الأمل بالإضافة للعمل البيئي، وسجل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، نفسه متطوعاً في مجال العمل الإنساني.

ويأتي إطلاق «المنصة الوطنية للتطوع» كأحد أهم محاور «عام الخير» الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حيث دعا سموه مع إطلاقه إلى ترسيخ التطوع وخدمة الوطن كأحد أهم مخرجات عام الخير وأحد أهم سمات المجتمع الإماراتي، وذلك عبر منصة التطوع والتشريعات المرافقة له والمبادرات الشبابية والمجتمعية المعززة لقيمة التطوع في الإمارات.

 

ويقول جيسون برونيك، المدير الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للمتطوعين في الدول العربية، في حوار صحفي، إن دولة الإمارات العربية المتحدة تعد شريكاً أساسياً لبرنامج الأمم المتحدة للمتطوعين في المنطقة ولها دور كبير في دعم المتطوعين ونشر ثقافة التطوع، مضيفاً أن جائحة «كورونا» أثبتت أهمية دور العمل التطوعي في مساندة الحكومات لمواجهة الفيروس، حيث شاهدنا المتطوعين والمتطوعات في الصفوف الأمامية في المستشفيات، وفي المناطق الموبوءة لتوزيع المعونات والأدوية والغذاء على الأسر المتضررة، مشيراً إلى أن المتطوعين والمتطوعات هم دائماً أول من يتحرك في حالات الطوارئ، ودائماً ما يتصدرون المشهد في مواجهة الأزمات والكوارث، حيث جاءت جائحة «كورونا» لتثبت للعالم أهمية تضافر كافة الجهود لمواجهة هذا الوباء غير المسبوق، فالحكومات لا تستطيع العمل بمفردها دون تعاون من المجتمع المدني والمؤسسات المختلفة.

ومما لا شك فيه، فإن المتطوعين والمتطوعات أثبتوا أهمية دور العمل التطوعي في مساندة الحكومات لمواجهة الجائحة، فشاهدناهم في الصفوف الأمامية في المستشفيات، وفي المناطق الموبوءة لتوزيع المعونات، كما ساعد المتطوعون في رصد الحالات وإبلاغ المستشفيات، وفي أوقات الحجر الصحي وحظر التجول، شاهدنا المتطوعين على مواقع التواصل الاجتماعي يقدمون حملات التوعية وجلسات الدعم النفسي، بل وأنشطة لتنمية المهارات والاستفادة من وقت الحظر.

نستخلص مما تقدم أن العمل التطوعي جزء لا يتجزأ من أنساق الحياة الاجتماعية؛ والإبقاء عليه وتأصيله في المجتمع إبقاء لاستمرارية الحياة الإنسانية؛ فالإنسان كان وسيبقى كائناً اجتماعياً لا تستقيم حياته إلا من خلال وجود علاقات اجتماعية يدعمها، ومنها التواصل والتكاتف والتكافل الاجتماعي، وهذه القيم الخيرة؛ بشرنا بها ديننا الإسلامي الحنيف، وحثنا على اتباعها نبي الأمة المصطفى، محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، ولذلك لا ينبغي أن تأخذنا الغفلة والنزعات الاستهلاكية والترف المادي بعيداً عن قيمنا وأخلاقياتنا وتقاليدنا، والتي توارثناها أباً عن جد، بل يجب علينا جميعاً كمجتمعات عربية أن ندافع عن موروثنا الحضاري للإبقاء على هويتنا العربية، وأصولنا ومرجعيتنا الإسلامية، وهي مسؤولياتنا تجاه أنفسنا، والتي يتوجب علينا أن نسلمها للأجيال التي بعدنا حتى تمضي المسيرة الخيرة الطيبة وتتواصل عبر الزمن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات