2021 انطلاق مسيرة الخمسين الثانية

ديسمبر 1971 الصفحة الأولى في تاريخ الإمارات

منذ البدايات المبكرة لتسلم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مقاليد حكم إمارة أبوظبي ومع بروز بعض الدلالات السياسية في المنطقة تميزت رؤيته ببعد النظر وسداد الرأي والواقعية في معالجة المستجدات مهما كان نوعها. ولعل موضوع إقامة الاتحاد كان في فكره وقلبه الشغل الشاغل وأنه لا بد من كيان قوي قادر على الاستمرار ومواجهة التيارات التي كانت تحيط بالخليج العربي.

وسارع، رحمه الله، ولم يمضِ على قيادته إمارة أبوظبي عام ونصف العام إلى بحث هذا الموضوع مع أقرب الناس إليه، والتقى بالمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي، رحمه الله، يوم 17 فبراير 1968 ليجد أن الشيخ راشد، طيب الله ثراه، يعيش الهاجس ذاته، وبحكمة الرجلين، رحمهما الله، خرج لقاؤهما يوم 18 فبراير 1968 مبشراً بإقامة اتحاد بين الإمارتين لتطوير حياة المواطنين فيهما في ظل العيش الكريم بكل مفرداته، ولمتابعة البحث في مستقبل المنطقة بقصد الاتفاق على توحيدها لضمان المحافظة على الاستقرار فيها وتحقيق المستقبل الأفضل لشعبها، وقد توج هذا الإعلان بلقاء أوسع ضم حكام الإمارات الأخرى في دبي يوم 25 فبراير وإعلان الاتحاد التساعي الذي لم يكتب له النجاح رغم الاجتماعات الأربعة للمجلس الأعلى للحكام.

خطوة التأسيس

عاد لقاء الشيخ زايد بأخيه الشيخ راشد، رحمهما الله، وإخوانهما الحكام إلى مسار العمل من أجل قيام الاتحاد بين الإمارات السبع، وقد ترجم هذا المسعى عقد عدد من اللقاءات توجت بلقاء حكام الإمارات في دبي يوم الأحد 18 يوليو عام 1971 لوضع اللمسات الأخيرة لقيام هذا الصرح المنتظر وتحقيق الأمل الذي كان في يوم من الأيام حلماً واعداً ودعا الشيخ زايد، رحمه الله، إخوانه الحكام أن يتابعوا مناقشاتهم الجادة لإنجاز هذه الأمانة الغالية.

وعند ظهر ذلك اليوم توصل الاجتماع المهم إلى القرار التاريخي بقيام دولة الاتحاد تحت اسم الإمارات العربية المتحدة إلى جانب الموافقة على الدستور المؤقت لينظم شؤون الدولة.

وقامت أبوظبي بعد هذا الإعلان وتوقيع الدستور المؤقت وعلى مدى خمسة أشهر بتحرك سياسي في كافة الاتجاهات بهدف تسليط الضوء على الظروف والتحديات التي جعلت الاتحاد حدثاً لا بد منه في مجال الاستقلال أولاً، وإقامة كيان قوي يكون قادراً على حماية شعبه وحدوده ومكتسباته على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ثم ما لبث حكام الإمارات أن عقدوا اجتماعهم الحاسم يوم الثاني من ديسمبر 1971 أعلنوا فيه قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وبدء سريان العمل بالدستور المؤقت لتنضم بعد شهرين إمارة رأس الخيمة إلى الصرح الاتحادي.

اجتماع الجميرا

وقبل يوم واحد من اجتماع الجميرا قام سير جفري آرثر، المقيم السياسي البريطاني في الخليج، بجولة في الإمارات وقع خلالها مع كل حاكم وثيقة تلغى بموجبها كافة المعاهدات والاتفاقيات التي كانت تعقد مع بريطانيا تحت مسمى المعاهدة العامة للسلام.

ولا تزال في الذاكرة صورة المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، وهو يزور أخاه المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، مساء الأربعاء 1 ديسمبر في مقر إقامته في الخوانيج ليراجعا نص البيان الذي سيقرأ في اليوم التالي في نهاية اجتماع الجميرا وإجراء بعض التعديل فيه.

جلسة من التاريخ وفي الساعة التاسعة والنصف صباحاً بدأ وصول الحكام إلى قاعة الاجتماع في قصر الجميرا تبعهم عدد من كبار الضيوف، بينما احتشد خارج القاعة قرابة 24 مراسلاً وإعلامياً من وكالات ومؤسسات إعلامية خليجية وعربية وإيرانية وأوروبية مختلفة.

كان المبنى من دور واحد والقاعة بيضاوية الشكل رتبت فيها ثلاثة صفوف من المقاعد. وعلى بعد ثمانية أمتار من مدخلها نصب صاري للعلم لا يتجاوز ارتفاعه أربعة أمتار، وانتشر المصورون في الحديقة حول القاعة.

أول اجتماع

في الساعة العاشرة إلا ربعاً بدأ أول اجتماع للمجلس الأعلى للاتحاد، حكام الإمارات بينما مثل إمارة أم القيوين الشيخ راشد بن أحمد المعلا بصفته ولياً للعهد والذي تولى الحكم فيما بعد.

افتتح الاجتماع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي، رحمه الله،

بكلمة ألقاها بالنيابة عنه سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم وجاء فيها:

(إخواني أصحاب السمو، أيها السادة... باسم دبي وباسم شعب دبي نحييكم أطيب تحية. وبنفس تطيب بالبشر وتملؤها السعادة نرحب بكم في بلدكم بين أهلكم وذويكم.

أيها الإخوان. لقد تم أمس التوقيع على إنهاء العلاقات التعاقدية الخاصة بين كل إمارة من إماراتنا والحكومة البريطانية، فتم بذلك استقلال إماراتنا وسيادتها على أراضيها.

وما مضت ساعات قليلة على ذلك حتى التقينا في هذا الاجتماع التاريخي لتحقيق ما تلاقت عليه إرادتنا وإرادة شعب إماراتنا لإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة، تستهدف توفير الحياة الفضلى لشعبها والاستقرار الأمكن لها وتحمي حقوق وحريات مواطنيها وتسعى لتحقيق التعاون الوثيق فيما بين إماراتها لصالحها المشترك من أجل ازدهارها وتقدمها في كافة المجالات، وتتطلع للانضمام لجامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة ومسيرة الركب العربي في مسيرته نحو أهدافه السامية ونصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية، وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب الصديقة على أساس ميثاق الأمم المتحدة والاتفاقات الدولية.

وفي هذه اللحظات التي يرقب فيها شعب إماراتنا المفدى والعالم بأسره ما سيصدر عن هذا الاجتماع من المقررات، أبتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سواء السبيل وأن يوفقنا لتحقيق ما اجتمعنا من أجله، والله ولي التوفيق ونعم النصير).

وبعد خروج الصحفيين والمراسلين من القاعة استأنف المجلس الأعلى للاتحاد اجتماعه بإقرار جدول ‌أعماله ثم إصدار القرارات الاتحادية ذات الصلة والتي جاءت كما يلي:

أولاً: أصدر المجلس الأعلى للاتحاد القرار الاتحادي رقم 1 لسنة 1971 وفيه:

«تم انتخاب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي رئيساً لدولة الإمارات العربية المتحدة لمدة خمس سنوات وصاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائباً للرئيس لمدة خمس سنوات».

ثانياً: أصدر المجلس الأعلى للاتحاد القرار الاتحادي رقم 2 لسنة 1971وفيه:

«بدء ممارسة رئيس الدولة ونائبه صلاحيتهما منذ هذه اللحظة بعد أن أدى كل منهما اليمين الدستورية».

وكان صاحبا السمو رئيس الدولة ونائبه قد أديا القسم التالي بعد صدور القرار الاتحادي الأول: (أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً لدولة الإمارات العربية المتحدة وأن أحترم دستورها وقوانينها وأن أرعى مصالح شعب الاتحاد وأن أؤدي واجبي بأمانة وإخلاص وأحافظ على استقلال الاتحاد وسلامة أراضيه).

ثالثاً: أصدر المجلس الأعلى للاتحاد القرار الاتحادي رقم 3 لسنة 1971وفيه:

«يعين سمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيساً لمجلس وزراء الاتحاد ويقدم أسماء أعضاء وزارته إلى رئيس الدولة بعد أسبوع في أبوظبي.

رابعـــــــاً: أصدر المجلس الأعلى للاتحاد القرار الاتحادي رقم 4 وفيه تمت الموافقة بالإجماع على علم الإمارات كما يلي:

مستطيل طوله ضعف عرضه ويتكون من ثلاثة أقسام مستطيلة الشكل مع قطعة مستطيلة حمراء عمودية على طرف العلم طولها بعرض العلم بينما عرضها ربع طول العلم. أما المستطيلات الثلاثة المتساوية عرضاً فهي خضراء وبيضاء وسوداء.

وقد جرى بعد ذلك التوقيع على أول معاهدة صداقة بين دولة الإمارات وبريطانيا وقعها الشيخ زايد، رحمه الله، بصفته رئيساً لدولة الإمارات بينما وقعها سير. جفري آرثر المقيم السياسي في الخليج ممثلاً لوزارة الخارجية.

كذلك أعلن المجلس الأعلى للاتحاد بدء العمل بالدستور المؤقت الذي كان الحكام قد وافقوا عليه في اجتماعهم المشهود في دبي يوم 18 يوليو 1971. وقد تضمن الدستور 152 مادة تتكون من عشرة أقسام إلى جانب المقدمة، وفيه أبواب.

جلسة الختام المفتوحة

ومع انتهاء جلسة المجلس الأعلى للاتحاد المغلقة وما صدر عنها من قرارات اتحادية رئيسة فتحت القاعة أمام المراسلين والصحفيين لمتابعة البيان الذي سجل صفحة تاريخية مهمة لما حملته من مضامين لها دلالتها في قيام دولة الإمارات العربية المتحدة.

وقد قدم البيان معالي أحمد خليفة السويدي وجاء كما يلي: (في هذا اليوم الخميس الواقع في الخامس عشر من شهر شوال عام 1391 هجرية الموافق للثاني من ديسمبر1971 م، وفي إمارة دبي عقد حكام إمارات أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة الموقعون على الدستور المؤقت للإمارات العربية المتحدة اجتماعاً لهم سادته مشاعر الأخوة الصادقة والثقة المتبادلة والحرص العميق على تحقيق إرادة شعب هذه الإمارات وأصدروا إعلاناً بسريان مفعول أحكام الدستور المذكور اعتباراً من هذا اليوم.

ثم تابع الحكام اجتماعهم كمجلس أعلى للاتحاد، وبعونه تعالى تم في هذا الاجتماع انتخاب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم إمارة أبوظبي رئيساً لدولة الإمارات العربية المتحدة لمدة خمس سنوات ميلادية، وصاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم إمارة دبي نائباً للرئيس لنفس المدة.

وقد أدى كل منهما اليمين الدستورية وفق أحكام الدستور. كما تم تعيين سمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيساً لمجلس الوزراء الاتحادي، وسيعقد المجلس اجتماعه في أبوظبي يوم الثلاثاء 7 ديسمبر 1971.

ويزف المجلس الأعلى هذه البشرى السعيدة لشعب الإمارات العربية المتحدة وكافة الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة والعالم أجمع معلناً قيام دولة الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة وجزءاً من الوطن العربي الكبير، تستهدف الحفاظ على استقلالها وسيادتها وعلى أمنها واستقرارها ودفع كل عدوان على كيانها أو كيانات الإمارات الأعضاء فيها، وحماية حريات وحقوق شعبها وتحقيق التعاون الوثيق بين إماراتها لصالحها المشترك من أجل هذه الأغراض ومن أجل ازدهارها وتقدمها في كافة المجالات وتوقع الحياة الأفضل لجميع المواطنين ونصرة القضايا العربية والإسلامية وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب على أساس ميثاق جامعة الدول العربية وميثاق الأمم المتحدة والأخلاق الدولية المثلى.

ويستنكر الاتحاد مبدأ استخدام القوة ونأسف لما اتخذته إيران مؤخراً من احتلال جزء من الوطن العربي العزيز، ويرى ضرورة احترام الحقوق المشروعة ومناقشة ما قد ينشأ من خلافات بين الدول بالطرق المتعارف عليها دولياً.

والمجلس الأعلى إذ يتوجه في هذه المناسبة التاريخية المباركة إلى الله العلي القدير بالحمد والشكر على توفيقه وعونه وإلى شعب الاتحاد بالتهنئة المباركة على تحقيق أمانيه.

شمس الإمارات

وبانتهاء جلسة الاجتماع التاريخي الذي بزغت فيه شمس دولة الإمارات العربية المتحدة يكون الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وإخوانه المؤسسون قد أكملوا رحلة استغرقت 1384 يوماً لتحقيق هذا الإنجاز الذي كان النقطة الثانية في رؤيته الاستراتيجية بعد بناء إمارة أبوظبي الحديثة.

ويترك الشيخ زايد، رحمه الله، ومعه أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات القاعة المتفردة عن قاعات العالم باتجاه صاري العلم وتحمل يداه الكريمتان الراية بابتسامته الدافئة التي ملأت وجهه سعادة غامرة بتحقيق حلم الآباء والأجداد الذي أصبح حقيقة نعيشها، ويقدم العلم لأحد أبناء الإمارات من حرس الشرف الذي رفعه أعلى الصاري يخفق في القلوب قبل أن يخفق في الهواء.

بسؤال الشيخ زايد، رحمه الله، عما يقوله في هذه اللحظة أجاب:

(لا أقول غير الحمد لله وهو يوم مبارك لنا، مع تمنياتي برؤية علم الوحدة العربية)

وبسؤال الشيخ راشد، رحمه الله، أجاب:

(ما في أبرك من هذا اليوم وندعو أن نرى الإمارات الأخرى التي كانت معنا).

وفي أبوظبي رعى، آنذاك، صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي رئيس وزرائها حفل رفع علم الاتحاد في الوقت ذاته مع رفعه في قصر الاتحاد في الجميرا بمدينة دبي، وخلال أسبوع واحد ارتفع علم الإمارات العربية المتحدة في الجامعة العربية باعتبارها العضو الثامن عشر وفي ساحة هيئة الأمم المتحدة باعتبارها العضو الثاني والثلاثين بعد المئة.

استراتيجية الخمسين

دولة الإمارات العربية المتحدة وهي تحيي ذكرى تأسيسها الـ 49 عاماً في ديسمبر الجاري وضعت قيادتها الرشيدة لمحات بارزة في استراتيجية الخمسين سنة القادمة سيراً على نهج المؤسسين، رحمهم الله، لصناعة المستقبل من أجل الأجيال القادمة من خلال حشد مؤسسات الدولة ومواردها والعقول الإبداعية فيها لتطوير نظام العمل الحكومي لتكون الإمارات الأكثر قدرة على التكيف مع متغيرات المستقبل وتحقيق قفزات بارزة لتبقى على قمم الإنجازات في العالم.

وذلك بعد أن قفزت قفزة رائعة من جمال الصحراء إلى مركبة الفضاء ومسبار المريخ، إلى جانب تصميم خارطة اقتصادية اتحادية متكاملة أساسها مرحلة ما بعد النفط وتعزيز الجانب الصحي ورسم أطر جديدة لمناهج التعليم والصحة والإعلام والسياحة والاستثمار المادي والمعرفي وتعزيز القيم الإماراتية القائمة على التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية بصورة مستدامة حتى تنعم بها الأجيال.

 

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات