القوى الرقمية العظمى

مرتان في ثلاثة أسابيع يمثل رئيسا القوتين العُظميين «فيسبوك» و«تويتر» أمام الكونغرس الأمريكي في جلسة استماع لا تتعلق بأرباح أو ضرائب، بل لأسباب تتعلق بالانتخابات الرئاسية الأمريكية. القوتان العظميان «فيسبوك» و«تويتر» فاعلتان بالحجة والبرهان في المصائر السياسية لدول عظمى. لم تعد هذه القدرة محل تشكيك أو نفي أو حتى نقاش.

ولم تعد قوة مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وقدرتها على تحديد وتغيير والتحكم في خارطة العالم، محل تفاوض أو تنازع أو نفي أو إثبات. صارت واقعاً. ووفر «كوفيد 19» وما فعله بالعالم على المنصات الرقمية الكثير من الجهد والوقت لتثبيت هيمنتها والتأكيد على سيطرتها، إذ انتقل الكوكب بسكانه بصورة شبه كلية إلى هذه المنصات بديلاً عن الواقع الموبوء.

الواقع يشير إلى أن مقاومي الرقمنة ومحاربيها اضطروا إلى رفع الراية البيضاء، ومن لم يرفعها بعد ويلحق بقطار الرقمنة، فلن تقم له قائمة. قبل عامين بالتمام والكمال، استهلت مصر صفحة تعليمية جديدة بإدخال «التابلت» كأداة تعلم وتحصيل وشرح وبحث في الصف الأول الثانوي. وقتها واجه وزير التربية والتعليم والتعليم الفني الدكتور طارق شوقي حرباً ضارية. الأهالي فزعوا لأن أبناءهم سينتقلون من التلقين والحفظ إلى البحث والتفكير. المعلمون غضبوا لأن الطلاب سيلجأون إلى البحث عما استعصى عليهم فهمه بدلاً من الدروس الخصوصية. أما الطلاب فكانوا حائرين بين ميلهم بحكم السن والنشأة في كنف المنصات الرقمية لتبني «التابلت» وسيلة تعليمية، وبين موجة القلق والفزع والغضب التي يشنها الكبار.

اليوم وجد الأهل أنفسهم يعملون عبر «زووم» و«فرق مايكروسوفت» وغيرهما. ووجد المعلمون أنفسهم يشرحون لطلابهم الدروس «أونلاين» ويجاهدون للإبقاء على الدروس الخصوصية حية ترزق عبر منصات رقمية شنوا عليها حرباً ضروساً. وحتى الأمس القريب، كانت الصراعات والحروب والكوارث الكبرى هي التي تدفع المجتمعات لتبني التغيرات الاجتماعية المؤجلة والمتأخرة. اليوم يقوم الوباء بهذا الدور ويصبح عاملاً من عوامل التغيير، وتصبح مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية أداة التغيير.

وأدوات التغيير لا تخلو من سلبيات. وفي هذا الصدد، بتنا نعلم جميعاً أن المنصات الرقمية تحمل معها شرور الأخبار الكاذبة والمفبركة ومحاولات صناعة أو قلب الرأي العام لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية لصالح طرف ضد آخر. وستظل هذه الشرور قائمة، ومعها جهود تطويقها والتقليل من آثارها. ولكل منطقة ظروفها وخصوصياتها ومشكلاتها الخاصة، وهو ما يعني أن ما تعتبره أمريكا الشمالية أولوية ليس بالضرورة كذلك عندنا. وما تتخذه جنوب شرق آسيا وسيلة مناسبة للتعامل والتفاعل ربما ليس الأنسب لنا. حتى منطقتنا العربية تختلف وتتباين فيما بينها من حيث الظروف والمشكلات والقدرة على المواجهة والتعامل.

استمرار التعامل مع الرقمنة بأدواتها ومنصاتها المختلفة من منطلق «كيف نحمي الأجيال الجديدة من مخاطر الإنترنت» أو «وسائل مواجهة هدم الثقافة ومحاربة الهوية على مواقع التواصل»، فقط ستبدد الجهد والوقت والمال، وستعمل على الإبقاء على المنطقة العربية خارج الزمن. بالطبع علينا أن نحمي الصغار ونحافظ على تراث الأجداد، لكن علينا أيضاً أن نتهيأ ونتعامل مع الواقع الافتراضي الجديد بشكل منطقي وعملي.

المنظور العملي ينبؤنا بأننا بدأنا موجة جديدة من «كوفيد 19»، وأن الإغلاق الكلي لم يعد حلاً مطروحاً لأننا لم نعد نملك رفاهيته. فإغلاق الأعمال وتعطيل الدراسة وفرض حظر التجوال وغيرها لن يعني بعد الآن توقيفاً للحياة، بل سيعني استمراراً لها ولكن على المنصات الافتراضية. عربياً، لدينا خصوصية في آثار الموجة الأولى من «كوفيد 19» تتمثل بالأرقام (بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة في يوليو الماضي تحت عنوان «أثر كوفيد 19 على المنطقة العربية») في: 152 مليار دولار خسارة في الناتج المحلي الإجمالي؛ و17 مليون خسارة في الوظائف، و14،3 مليون شخص تقهقروا إلى خط الفقر، مع وجود 55 مليون شخص يحصلون على مساعدات إنسانية ويعيشون في ظروف تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالفيروس، 26 مليون شخص نزحوا قسرياً، وأيضاً أكثر عرضة لأخطار الوباء، بالإضافة إلى 74 مليون عربي معرضون للإصابة لعدم وجود خدمات غسل الأيدي بمياه نظيفة! في الوقت نفسه، لدينا قصص نجاح عديدة لدول عربية قطعت أشواطاً جيدة جداً على طريق الرقمنة والتعامل الإيجابي مع قواعد الثورة الصناعية الرابعة. في ضوء ما سبق، وفي ضوء ما فٌرِض على الكوكب من ظرف وبائي قلب الحياة رأساً على عقب، فإن سد الفجوة الرقمية العربية لم يعد اختياراً. والرقمنة ومنصاتها باعتبارها «قوة عظمى» لم تعد مضطرة لتنظر من يقتنع بها ليلحق بركابها وإمكاناتها.

* كاتبة صحافية

طباعة Email