من هنا نبدأ

الأفراح التي نصبتها جماعة «الإخوان» على منصاتها الإعلامية، التلفزيونية والإلكترونية، احتفاءً بفوز المرشح الديمقراطي جو بايدن في انتخابات الرئاسة الأمريكية، تثبت للمرة الألف أن الجماعة أعجز من أن تتعلم من أخطائها، وأجبن من أن تمتلك القدرة على مراجعة تلك الأخطاء، التي أخرجتها من المشهد السياسي، فضلاً عن تأكيدها على أنها كيان متسلق، لا يستطيع العيش سوى بغيره، لاسيما إذا كان هذا الغير، جهة أجنبية أو استعمارية أو معادية للبلدان التي عاش فيها أعضاؤها وقادتها، ويعكس جهلها بطبيعة النظام الأمريكي، التي لا تبحث إداراته في كل العهود سوى عن المصالح، وليس عن المبادئ!

لم تنتظر جماعة «الإخوان» انتهاء الأزمة الدستورية لحسم المعركة الانتخابية، لصالح المرشح الديمقراطي، وأصدرت بياناً لتهنئة بايدن بالفوز، ينطوي على مظلومية كاذبة، واستغاثة تحريضية ضد دول المنطقة، تدعوه لمراجعة ما تسميه «دعم ومساندة الديكتاتوريات»، فيما يعد طعناً في سابقه دونالد ترامب، وتصفية حساب معه، لمسعاه المعلن، الذي لم يتمكن من تحقيقه، لإدراج الجماعة في قائمة المنظمات الموصوفة أمريكياً بالإرهاب.

نشوة الانتصار المحتفية بالإدارة الأمريكية الجديدة، تتجاهل أن التاريخ لا يعود للخلف، وأن الجماعة، التي مارست أبشع أنواع القمع والاستبداد والديكتاتورية والإرهاب عندما وصلت إلى السلطة في مصر، سقطت بيد الشعب المصري، وبدعم من جيشه الوطني في الثلاثين من يونيو 2013، لأنها كانت ببساطة، تملك ميليشيات مسلحة، وتكدّس السلاح في كل مكان.

وللجماعة ولمن خانته الذاكرة، فقد تم ذلك السقوط المدوي وباراك أوباما، الديمقراطي، رئيساً للولايات المتحدة، ولم يعد خافياً على أحد الضغوط التي مارستها إدارته لتولي «الإخوان» الحكم، والامتناع عن منح الإدارة المصرية بعد 30 يونيو، قطع غيار لأسلحة الجيش، والعدول عن ذلك بعدما، تمكنت القاهرة من تنويع مصادر تسلحها من فرنسا وروسيا والصين.

سقوط الجماعة في مصر، جردها من أدوات تأثيرها داخلها، وخارجها، كما ساهم في ضعف مجمل تيار «الإسلام السياسي». ففي مصر فشل المنتسبون لذلك التيار من الفوز بأية مقعد في انتخابات مجلس الشيوخ المنتهية مؤخراً، وفي انتخابات مجلس النواب، التي توشك على الانتهاء. وفي الأردن، تراجع أعداد ممثليه بشكل ملحوظ في الانتخابات النيابية الأخيرة. وأنهكت الصراعات على القيادة والتمويل، حركة النهضة الإخوانية في تونس، وقادت لانشقاق عدد من كبار قادتها عنها، ما أضعف التعاطف الشعبي معها، وفتح على قيادتها أبواب النقد الجارح، الذي يزعزع المكانة ويفقد الثقة، داخل البرلمان وخارجه، وفي الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي، بما انتهى بتكوين رأي عام مؤثر، يطالب ليس بحظر نشاطها فحسب، بل أيضاً محاكمة قادتها بتهم الفساد والإرهاب وقتل المعارضين.

ويثور جدل واسع هذه الأيام في فرنسا والنمسا وألمانيا وبريطانيا، حول حظر «الإخوان» ومسمياتها المتعددة، التي تسترت خلف أسماء جمعيات دعوية وخيرية، فضلاً عن المساجد التي اتخذت منها منابر للترويج للتطرف الداعم للإرهاب، بخطابها العدائي للحداثة، ورفضها للتراث الإسلامي التنويري الذي أضاء أوروبا في عصور ظلامها. ويدرس مجلس العموم البريطاني مشروع قرار لمراقبة التمويل الأجنبي لمراكز بحوث تستخدم عملها لاصطناع مواقف سياسية، بشراء الذمم وتزوير الحقائق، وتوظيفيها للضغط، وفي الصراع السياسي ضد الدول، ويهيمن على عدد كبير منها التمويل القطري، ويعمل بها أعضاء من الجماعة وداعمون لها.

ستظل الجماعة تدور حول نفسها، وتكرر أسطوانتها المشروخة بشأن مظلوميتها، وحفنة أكاذيب عن طبيعتها كحركة سياسية مدنية، معتدلة التوجه الديني، وعن إيمانها بالقواعد الديمقراطية والدفاع عن الحريات العامة والخاصة، لجلب التعاطف الغربي معها، وتأجيج مشاعره ضد دول المنطقة، لكن ذلك لن يفلح في إعادة عجلة الزمن إلى الوراء!

* رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

طباعة Email