هزيمة ترامب.. مقدمات ونتائج

خلال الأيام الأخيرة لحملته الانتخابية التي خاضها الرئيس الأمريكي المُنتهية ولايته، دونالد ترامب، بُغيَة الفوز بمدة ولاية رئاسية ثانية، كان الأمر أقرب إلى جلسات علاج نفسي لشخص ساخط يشعر بالمرارة من الأوضاع المحيطة به، وهو ترامب نفسه بالطبع، منه إلى حملة انتخابات رئاسية.

كانت أكثر الملاحظات اللافتة على أسلوب ترامب وخطابه لمؤيديه أثناء هذه الحملة هي نبرة الندم والحسرة الواضحة في حديثه.

فعلى سبيل المثال، في حشد انتخابي عقده ترامب لمؤيديه في إحدى مدن ولاية «بنسلفانيا» في أواخر الشهر الماضي، أي منذ حوالي عشرة أيام أو 12 يوماً على أقصى تقدير، قال: «منذ أربعة أو خمسة أشهر مضت، عندما بدأنا هذه الحملة بِرمتها، وقبل أن تتفشى جائحة «كوفيد 19»، لم أكن لآتِ إلى هنا.

وإنما كنت خاطبتكم وقلت لكم: «إذا كانت لديكم فرصة، فلتذهبوا إلى لجان الاقتراع وتمنحوني أصواتكم» وكنا سنحقق الفوز على هذا النحو».

تذهب غالبية التحليلات التي تسعى إلى معرفة الأسباب وراء كون ترامب هو أول رئيس أمريكي يخسر حملة إعادة انتخابه منذ 28 عاماً، إلى أن «كوفيد 19» هي السبب الرئيسي، لكن الحقيقة هي أن الجائحة مجرد سبب من الأسباب.

ثمة أسباب هي التي تستحق وصفها بأنها أسباب رئيسية لهزيمة ترامب في انتخابات 2020.

وتتعلق هذه الأسباب جميعها بقصور في شخصية وأسلوب القيادة السياسية لهذا الرجل الذي بنى حملته الانتخابية الأولى في عام 2016، وكذلك مدة ولايته الرئاسية وحملته الثانية الفاشلة، على شعار «فلنجعل أمريكا عظيمة مُجدداً»، إلا أنه بدا في تطبيقه للشعار أشبه بمذيع لبرنامج من برامج تلفزيون الواقع الشهيرة «ملحوظة: ترامب كان مذيعاً بالفعل لأحد برامج تلفزيون الواقع منذ عام 2004 وحتى 2017»، وليس رئيساً لدولة من المُفترَض أنها الأقوى والأكبر على مستوى العالم.

فحتى قبل تفشي «كوفيد 19» بفترة، بدأ العديد من الأمريكيين، منهم مؤيدون لترامب ولحزبه الجمهوري، يشعرون بالضجر من سلوكياته، ومنها تغريداته التي لا تكاد تتوقف عبر «تويتر»، ونوبات غضبه، وترديده المستمر للحديث عن نظرية المؤامرة التي يبدو أنها تهيمن تماماً على تفكيره، فضلاً عن عدم اكتراثه بالفوضى التي بدأت تضرب أطنابها في أمريكا خلال العام الأخير من حكمه، سواءً بسبب انتشار وباء «كوفيد 19»، أو بسبب تعامل الشرطة مع الأمريكيين السود، والذي أودى بحياة أكثر من شخص منهم في غضون أقل من 6 أشهر، ولا مبالاته الصادمة بالآخرين عموماً، وتعمّده في تصريحاته وتغريداته بأنه الرجل المتخصص في كشف الحقائق، والذي يجري التعاقد معه من الباطن، وتماديه في ازدرائه القواعد، والقوانين والمؤسسات الديمقراطية الرئيسية في الدولة، وربما في مقدمة هذه الأسباب جميعاً، ميله الواضح إلى تأييد الفكر العنصري، ومبدأ سيادة العرق الأبيض.

ويُعد ترامب الرئيس الوحيد في تاريخ أمريكا الذي لم يحظ مطلقاً بنتائج إيجابية في الاستطلاعات التي سألت المواطنين عن رأيهم في حكمه إبّان فترة ولايته. وينظر المحللون عادةً إلى نتائج هذه الاستطلاعات باعتبارها الإرهاصة الأكثر موثوقية لاحتمال إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي لفترة رئاسة ثانية.

ويكفي للتدليل على ذلك أن نذكر نتائج استطلاع آراء الناخبين عقب خروجهم من لجان الاقتراع في أول أيام الانتخابات الرئاسية 2020، وكان يوم الثلاثاء الماضي، والتي أفادت بأن نسبة رضا الأمريكيين عن أداء ترامب في فترته الأولى لم تتجاوز 47 %.

ويمكن القول من دون أدنى مبالغة أن ترامب غرس بذور الانقسام في المجتمع الأمريكي، منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه بشكل رسمي عن نيته دخول المعترك السياسي، وكان ذلك في عام 2015، عندما صرح من مكتبه في «برج ترامب» الشاهق الشهير الذي يمتلكه في نيويورك عن خوضه السباق داخل الحزب الجمهوري، للفوز بترشيح الحزب لانتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016.

وما حدث يوم الثلاثاء الماضي ببساطة، هو أن ترامب حصد ما زرعه منذ خمسة أعوام. ولا ينسى الأمريكيون أن ترامب أفلت في مطلع العام الجاري من جلسة اقتراع في الكونغرس الأمريكي على سحب الثقة منه، وكان من الممكن أن تنتهي بعزله من منصبه. وما كانت «كوفيد 19» وإخفاق ترامب في التعامل السليم معها، سوى أنها وضعت اللمسة الأخيرة لمجموعة الأسباب السابق ذكرها، والتي كان مؤداها حرمان ترامب من البقاء في البيت الأبيض لمدة أربع سنوات أخرى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات