الاستخبارات الأوروبية والجماعات الأردوغانية

الحادث الذي وقع مساء الاثنين الماضي في فيينا، لم يضف جديداً بشأن أخطار الجماعات المتطرفة في أوروبا، فخريطة هذه التنظيمات الإرهابية منتشرة ومتغلغلة داخل المجتمع الأوروبي، بعضها معروف، والأكثرية تعمل تحت غطاء ما يسمى بالجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية، تظن بعض الدول التي تقف وراء هذه الجماعات الإرهابية، أنها ستمر وستقوم بتنفيذ مخططاتها الظلامية في أوروبا، لكن ما يتوافر لدينا من معلومات تقول إن أجهزة الاستخبارات الأوروبية ترى وترصد وتتابع كل هذه التحركات، بل إنها تضع يدها على خريطة هذه الجماعات، ومن بينها ما يسمى بتنظيم «من أجل بلجيكا»، وجماعة «خوروش» ومنظمة «الدعوة إلى الجنة» السرية، وشبكة «أبو ولاء»، و«خلية فولفسبورغ» الإرهابية، وجماعة «المهاجرين»، وجماعة «حزب التحرير»، وخلية «الفرسان الثلاثة»، و«أوروبا تراست»، و«فرسان العزة»، ومنظمة «الذئاب الرمادية»، وغيرها من التنظيمات والجماعات التي تسربت وتسللت إلى أوروبا خلال العقود الماضية.

ربما تنتشر ممارسات هذه الجماعات عبر عواصم أوروبية متعددة، وربما تتباين ردود الأفعال من عاصمة إلى أخرى، لكن الذي يدفعنا إلى التوقف كثيراً، هو رد فعل العاصمة النمساوية فيينا، إذ إن المستشار النمساوي سبستيان كورتز يبذل قصارى جهده لمواجهة هذا النوع من التنظيمات الإرهابية، خصوصاً الخلايا التركية التي تستهدف الأمن القومي الأوروبي، ومن ثم الأمن القومي النمساوي، لاسيما أن أجهزة الاستخبارات تؤكد ارتباط هذه الخلايا بالحزب الحاكم في تركيا، بل إن ما يزيد من هذا الخطر، هو توافر معلومات تقول بقيام حزب العدالة والتنمية، بالتجسس على معارضي أردوغان، خصوصاً الأكراد، وهذا ما كشفه بيان أصدرته أجهزة المخابرات النمساوية، تقول فيه، إن النشاط التركي في بلادها هو أخطر تحد أمني يواجه النمسا وشعبها خلال العقود السبعة الأخيرة. وما يزيد من قلق فيينا تجاه هذه التنظيمات الإرهابية هو تدفق معلومات المخابرات النمساوية التي تتهم منظمات تركية بإدارة شبكات كبيرة من الإرهابيين والجواسيس لصالح «العثمانية الجديدة» يتم تكليفها بتنفيذ أعمال عنف تصل إلى التصفيات الجسدية.

في الواقع، لم تكن النمسا هي المحطة الوحيدة التي تنتشر فيها هذه التنظيمات والجماعات الإرهابية، فها هي أجهزة الاستخبارات الألمانية تكشف أن أردوغان يقوم بتمويل جماعات «الذئاب الرمادية» على الأراضي الألمانية، حيث تتولى هذه الجماعات الأردوغانية إدارة مجموعة من المنظمات الدينية والقومية المتطرفة، وأن أتباع هذه «الذئاب الرمادية» في ألمانيا، تصل أعدادهم إلى 180 ألف عضو و170 منظمة داخل الولايات الألمانية الست عشرة، الأمر الذي يدفعنا هنا للقول بأن جماعة «الذئاب الرمادية» صارت الآن أخطر من حزب «إن بي دي» النازي المعروف تاريخياً.

هذه الجماعات والتنظيمات لها امتداداتها الطرفية في دول أخرى، مثل هولندا وبلجيكا وإيطاليا والسويد. فحسب أحدث التقارير التي أصدرها المفوض الأوروبي لشؤون الإرهاب، فإن هذه الجماعات تسعى للقيام بعمليات إرهابية ضد المؤسسات والشخصيات الأوروبية، وتعمل على منع الجاليات العربية والإسلامية من الاندماج في المجتمعات الأوروبية حتى تظل هذه الجاليات رهينة التصرفات التركية. إذاً نحن أمام تحركات منظمة لجماعات إرهابية لها أهداف سياسية وارتباطات خارجية ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بأي دين، بل تسيء لكل الأديان.

اللافت للنظر في هذه التنظيمات أن هدفاً واحداً يجمعها، وهو تنفيذ أوهام أردوغان باستعادة العثمانية الجديدة، ومن ناحية أخرى، تحاول صناعة نفوذ جديد للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية على الأراضي الأوروبية، وهذه الموجة من الإرهاب لن تصمت عليها أوروبا، ولن تدعها تمر بسهولة، خصوصاً أنها تدرك واقع من يدعم هذه الجماعات والتنظيمات، وأعتقد أن أجهزة الاستخبارات الأوروبية سيكون لها رد قاسٍ خلال الفترات المقبلة تجاه الرعاة الرسميين لهذه التنظيمات.

* رئيس تحرير «الأهرام العربي»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات