ثلاثة متغيرات صنعتها التجارة الإلكترونية في قطاع التجزئة

يتنامى انتشار التجارة الإلكترونية على قطاع واسع في أنحاء العالم كافة منذ سنوات عدة. وبات الانتشار جنونياً بعد تفشي جائحة «كوفيد 19» في جميع أرجاء الأرض مطلع العام الجاري، وما فرضته من حجر صحي منزلي إلزامي وغيرها من التدابير الوقائية في عدد غير قليل من دول العالم، فبات التسوق الشبكي هو الخيار الوحيد الذي يضمن للمتسوقين تدبير احتياجاتهم اليومية من دون المخاطرة بتعريض أنفسهم للإصابة بعدوى الجائحة.

وفي كل يوم جديد، يكتسب التسوق الشبكي أرضاً جديدة من التسوق التقليدي، ويتغول عليه مهدداً إياه بخطر حقيقي يمس صميم كيانه ووجوده.

ونستعرض فيما يلي ثلاثة متغيرات جوهرية استطاعت التجارة الإلكترونية أن تصنعها في ملامح قطاع التجزئة على مستوى العالم، وعلى نحو جعلها بمثابة فرس الرهان الحقيقي المُقبِل، والمُرشّح بقوة للاستئثار بصدارة المشهد في القطاع يوماً ما قد يظنه الكثيرون ليس ببعيد، ولا نظنهم نحن مبالغين:

المتغير الأول يتعلق بالحصة من كعكة التجزئة، حيث تتوقع شركة «إي ماركتر» الأمريكية المتخصصة في البيانات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية أن تستأثر المبيعات الرقمية هذا العام بنسبة 14.4 % من إجمالي الإنفاق على قطاع التجزئة في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما تتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 19.2 % بحلول عام 2024. وفيما يتعلق بقيمة المبيعات الرقمية في الولايات المتحدة هذا العام، فتتوقع «إي ماركتر» أن تبلغ 794.50 مليار دولار، أي بزيادة نسبتها 32.4 % بالمقارنة مع العام الماضي. وثمة ملحوظة شديدة الأهمية في هذا السياق يتعين عدم إغفالها، وهي أن الزيادة المتوقعة في مطلع العام وقبل تفشي «كوفيد 19» 18 % فقط.

ويقول أندرو ليبسمان، المحلل لدى «إي ماركتر»، تعليقاً على هذه التوقعات: «شهدت التجارة الإلكترونية هذا العام نمواً متسارعاً على نحو بدا غير ممكن خلال الربيع الماضي، بالنظر إلى حجم الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها الجائحة».

وما زلنا مع توقعات «إي ماركتر»، والتي تشير إلى استئثار الشركات العشر الكبار في مجال التجارة الإلكترونية بنسبة 63.2 % من إجمالي مبيعات الرقمية في الولايات المتحدة خلال العام الجاري، بالمقارنة مع 57.9 % في العام الماضي.

وتستأثر «أمازون» وحدها بنسبة 39 %، وبفارق شاسع عن أقرب منافسيها، وهي «وولمارت» التي ستفوز بنسبة 5.8 % فقط من إجمالي المبيعات.

المتغير الثاني يتمثل بواقع ومستقبل وظيفة المتاجر التقليدية، حيث باتت المتاجر ومراكز التسوق التقليدية تواجه معاناة حقيقية في إقناع المتسوقين بسبب وجيه يدفعهم إلى التخلي عن التسوق الإلكتروني والعودة إلى التسوق التقليدي مُجدّداً، خاصةً بعد المتغيرات الجديدة لتي فرضتها «كوفيد 19». واضطر أصحاب مراكز التسوق إلى إعادة النظر على نحو جذري بشأن مراكزهم، وكيفية التوظيف الأمثل لها. وبعد أن كانت هذه المراكز مجرد أماكن لتكديس البضائع وعرضها على المتسوقين، بات لزاماً على أصحابها أن يحوّلوها إلى وجهات للزيارة في حد ذاتها.

ويقول ليبسمان: «نحن الآن بصدد عملية إعادة تصوّر كاملة لتجربة المتسوقين في المتاجر التقليدية، إذ تتحول المتاجر بمقتضاها إلى وجهات. وتبدأ هذه العملية بتقليص مساحات المتاجر، فلم تعد ثمة احتياج للمساحات الهائلة».

أما المتغير الثالث، فيتجسد بانتعاش الطلب على المخازن، إذ بينما تتناقص مساحات المتاجر التقليدية كما ذكرنا في المتغير السابق، فعلى النقيض من ذلك، تشهد المخازن إقبالاً خرافياً من شركات التسوق الشبكي لاحتياجهم إلى مساحات إضافية لتخزين بضائعهم. وانعكس ذلك على أسعار العقارات التي تصلح كمخازن، إذ شهدت ارتفاعاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب دراسة حديثة أجرتها مجموعة «سي بي آر إي» الأمريكية للعقارات، فقد ارتفعت أسعار المخازن في الولايات المتحدة بنسبة لا تقل عن 10 % خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وأفاد جون موريس، رئيس قسم التجزئة لدى «سي بي آر إي» بأنه يجري حالياً تحويل العديد من مراكز التسوق الأمريكية، التي أغلقت أبوابها، إلى مخازن ومراكز لوجستية تابعة لشركات التجارة الإلكترونية لتسليم البضائع إلى عملائها في منازلهم.

* محررة متخصصة في شؤون قطاع التجزئة والسلع الاستهلاكية لدى شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية الأمريكية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات