وقفة مع الدولة

في كل العالم، تقريباً، تحدد مؤسسات الدولة الزي المدرسي وفق معايير وطنية في المقام الأول، أي تكريس قيمة المساواة بين التلاميذ.

فمثلاً في فرنسا، يرتدي الجميع زياً موحداً لا يفرق بين غني وفقير، أي لا يحق لابنة ملياردير فرنسي ارتداء ملابس مميزة، مرتفعة الثمن، بل ترتدي هذه التلميذة البالغة الثراء نفس ما ترتديه زميلتها، ابنة العامل البسيط.

ومن أهم ما تحرص عليه الدولة الفرنسية، هو عدم تعليق أي رمز ديني، مثل السلاسل التي بها صليب أو مصحف أو نجمة داوود، فالشعارات الدينية ليس مكانه ا المدارس والجامعات.

وأتذكر، بمناسبة المدرسة التي فرضت على تلميذة لديها ارتداء الحجاب، وليس معروفاً بأي حق أو بأي صلاحيات لها، تفرض رؤيتها على التلميذات، أتذكر فزعي لدى عودتي من الخارج، بعد غربة دامت نحو ثلاثين عاماً، من التغيرات الشديدة التي طرأت على المجتمع المصري، قلت يومها:

إن الفرز الطائفي أصبح في الشارع. ثار ضدي عدد من الحضور، حيث كنا في عشاء بدعوة من الراحل الكبير محمود السعدني، لكن لحسن حظي، كان ضمن الحضور لواء معروف بكفاءته المهنية في مجال الأمن، أطال الله في عمره، ومتعه بالصحة، قال بحزم: «لا، فريدة عندها حق». ومن أسباب فزعي، ولا أبالغ، مشاهدة تلميذات في مرحلة الحضانة، محجبات!!

أي أن التفرقة بين المواطنين تبدأ منذ الطفولة المبكرة جداً، وهو ما لم تنجح بريطانيا أثناء احتلالها البغيض في فرضه، تطبيقاً لشعار فرّق تسد، ونجح تنظيم «الإخوان» في تطبيقه بخطة ممنهجة. وطبعاً بدأ هذا التنظيم بإخفاء نواياه خلف شعار أن «الحجاب حرية شخصية»!!

وعندما كنت أطرح سؤالي عما إذا كانت طفلة الحضانة تمارس اختيار التحجب «بحرية» وهي في الرابعة من العمر، كان الرد دائماً بالغ العنف وكيل الاتهامات بأنني عدوة للدين، إضافة إلى سيل من البذاءات التي درجوا على استخدامها، ولا بد هنا من التذكير بما قاله عصام العريان، بأن «الإخوان» قالوا للأمريكان، صوروا الشوارع، وانظروا إلى عدد المحجبات.

وستعرفون عندها أننا سنحكم مصر. فهل هناك مخطط أكبر من هذا لتنفيذ شطر المجتمع المصري؟ كل ما أتمناه بمناسبة الحادث المحزن، والذي سبق ووقع أكثر من مرة، ولدرجة أن مدرسة قصت شعر إحدى التلميذات لكونها لم تكن ترتدي حجاباً، يعتبر جرس إنذار يدق بعنف عسى يسمعه كل من له آذان وشعور بالمسؤولية تجاه هذا الوطن، التصدي بحزم لمن يريدون فرض وصايتهم وتنفيذ مخططهم بالتفرقة بين المصريين على أساس الانتماء الديني، وتفنيد أكذوبتهم بأن الحجاب حرية شخصية.

فهل يُعقل أن نزرع الفرقة بين تلميذات الحضانة، بإقناع الطفلة المحجبة بأنها تختلف تماماً عن زميلتها غير المحجبة، والتي هي على الأرجح، مسيحية الديانة؟ وهل كان العدو يفرق بين المصريين وهو يلقي علينا بوابل نيرانه وقنابله وكل أدوات الموت والدمار لديه؟

إن توحيد الزي المدرسي هو غرس بذرة المواطنة والانتماء، وليت وزير التعليم المحترم يسرع بإجراءات التقارب بين التلميذات، وليس النفور والفرقة، كما هو سائد الآن، بأدوات أهل الشر الذين لم يتخلوا أبداً عن مخططاتهم بتفتيت وطننا، فالوطن لديهم، «حفنة من التراب العفن»، وهو بالنسبة لنا، الحضن والملاذ والأمان، وهو من دفع آلاف الشهداء دماءهم فداء له.

* كاتبة ومحللة سياسية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات