رسالة للمنتمين للإسلام المسيئين إليه

قديماً قيل: «كم من مريد للخير لن يبلغه»، فقد يسيء الإنسان من حيث يظن أنه يُحسن، وقد يضر وهو يظن أنه يُصلح، لسلوكه المسلك الخطأ في ذلك، دون علم وبصيرة، ودون حكمة وتعقُّل.ومع ظهور حادثة الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، وردود الأفعال التي تبعت ذلك، كانت الحاجة ماسة لبيان ما ينبغي تجاه ذلك من حكمة وضبط النفس وغيرة رشيدة واتباع الطرق السليمة لمعالجة ذلك، كالطرق القانونية، وسد الطريق أمام المتطرفين الذين يستغلون مثل هذه الأحداث للاستقطاب والاختراق، وكذلك سد الطريق أمام القوى الإقليمية التي تستغل مثل هذه الأحداث لتحقيق مصالحها الخاصة.

وأول رسالة أوجهها إلى المندفعين دون علم وبصيرة، فأقول لهم: إن الغيرة على النبي، صلى الله عليه وسلم، يجب أن تكون وفق سنته وهديه، ومن تمام هذه الغيرة أن يغار على النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه، بألّا يكون هو نفسه سبباً في الإساءة إلى جنابه الشريف، بقول طائش أو فعل متهور، فيكون سبباً في تغذية روح الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، وتقديم صورة مشوهة ومغلوطة عن الدين.

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم، على ترشيد الغيرة والحماسة الدينية، وبنى جيلاً من العقلاء الحكماء الذين حملوا مشاعل النور والسلام للعالم، وحذَّر أشد التحذير من أي سلوك يسيء إلى الدين وينفّر الناس عنه، فقد أبقى النبي صلى الله عليه وسلم، الكعبة المشرفة على بناء قريش ولم يُعد بناءها على أساس إبراهيم، عليه السلام، مع ما للكعبة من مكانة دينية عظمى؛ خشية أن ينفّر الناس من ذلك، ولا يزال الحِجْر خارج بناء الكعبة إلى يومنا هذا، شاهداً على هذا المنهج النبوي الرشيد، كما راعى النبي، صلى الله عليه وسلم، في معالجة التحديات نظرة الأمم الأخرى للإسلام والمسلمين، فمع شدة خطر المنافقين على أمن المجتمع، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم، انتهج سياسة حكيمة في التعامل معهم، وكذلك فيما يتعلق بمن تعدّى على جنابه الشريف واتهمه بالظلم والجور، كما وقع من ذي الخويصرة، فقد وضع النبي عليه السلام في عين الاعتبار نتائج أي إجراء يتخذه، وأثرها لدى الأمم الأخرى، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لمن عرض عليه معاقبة هؤلاء: «معاذ الله أن تتسامع الأمم أنَّ محمداً يقتل أصحابه».

كل ذلك يؤكد أن من أوجب واجبات المسلم تجاه دينه أن يصونه من التشويه، وألّا يكون هو نفسه سبباً في الإساءة إليه، تحت أي شعار كان، وهو منهج نبوي رشيد لا غنى للمسلمين عنه، وخاصة في المجتمعات الغربية، في ظل تنامي المظاهر اليمينية المتطرفة، التي تستغل أي واقعة للاستعداء على هذا الطرف أو ذاك، وفي ظل استغلال المتطرفين للحريات للتوغل والاستقطاب وتمرير أجنداتهم في المجتمعات.

وأما رسالتي الأخرى فهي لتيارات «الإسلام السياسي» التي تتاجر بالدين، وبعضها حطت رحالها في الغرب، واستغلت الحريات هناك للتوغل والانتشار، فأقول لهم: يكفيكم تغريراً وخداعاً للشباب، واستغلالاً للأحداث لتحقيق مصالحكم الحزبية، فلم يجنِ الإسلام والمسلمون منكم إلا الضرر، وهل خرج ابن لادن والزرقاوي والبغدادي وغيرهم من عتاة الإرهابيين، إلا من تحت عباءتكم؟! فآن لكم أن تراجعوا أنفسكم، وتصححوا مساركم إن كان لديكم بقية عقل!!

وأما رسالتي الأخيرة فهي للذئاب التي تسعى للعنف والإرهاب، وكثير منهم ذوو سوابق جنائية، لم يعرفوا عن الإسلام حقيقته، ولا عن النبي سيرته، ولا عن الأخلاق سماحته، وإنما يسلكون سبيل الإجرام الذي عهدوه ولكن بوجه جديد، فأقول لهم: أنتم أشد إساءة للدين ولنبي الإسلام من غيركم، لم يسلم من شركم المسلمون، ولم تراعوا حرمة لأحد، وانتهجتم طريق العنف الذي يرفضه الشرع رفضاً قاطعاً، فكيف تلقون الله تعالى وقد شوَّهتم دينه، ونفَّرتم الناس عنه، واعتديتم على خلقه، وأثقلتم موازينكم بالأوزار والآثام؟!

إن المجتمعات اليوم تواجه تحديات كثيرة، من أبرزها التطرف والإرهاب، هذه الأمراض التي تهدد السلام والاستقرار، والتي تحتاج من الجميع إلى التكاتف للتغلب عليها والعيش بسلام في ظل قيم المواطنة الصالحة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات