أُمّة الرحمة والتسامح والسلام

كما ينشغل العالم بالانتخابات الأمريكية، التي ستظهر نتيجتها قريباً، في الثالث من نوفمبر، والتي ستعتمد أساساً، ليس على استطلاعات الرأي ولا على المماحكات والمناظرات، بل على نسبة المشاركة للقواعد الشعبية لكل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقدرة المتنافسين على تحريك تلك القواعد للانتخاب، كذلك ينشغل العالم بالإرهاب الذي يثير الرعب في قلوب الناس ويقض مضاجعهم.

بعد قطع رأس المعلم «صمويل باتي»، الذي عرض رسوماً كاريكاتورية مسيئة على تلاميذه، في فرنسا، رحت أبحث عن سبب تصاعد مشاعر «عبدالله أيه الشيشاني» الذي أدى لقتل المعلم بهذه الطريقة.

وإذ يتبين أن «الشيشاني» ينتمي إلى جماعات الفكر المتشدد، التي لا تعترف بالحكمة الإلهية أن «دع أذاهم» و«اصبر على ما يقولون» و«إنا كفيناك المستهزئين»، بل تأخذ بما كان يقوله كتاب آخر، ليس مقدساً، كُتب بطريقة أدبية، لا علمية، عنوانه «في ظلال القرآن»، كتبه «سيد قطب» وهو في السجن، في ظل نزاع سياسي، جعل من سيد قطب «الإخواني»، أن يصبح الموجه الأول للإرهاب والقتل والتكفير.

الجماعات الإرهابية كـ«القاعدة» و«داعش» وكذلك «الإخوان»، الذين استلهموا من سيد قطب طريقتهم في التفكير، لم يكونوا وحدهم من فعل ذلك، بل إن موجة التشدد التي تصاعدت في سبعينيات القرن الماضي، قد أثرت على السواد الأعظم من الأمة، وهؤلاء، ظهر منهم كتبة المناهج وعلماء الإفتاء ومعلمو المدارس وجمع غفير في طول البلاد الإسلامية وعرضها، يوجهون أطفالها وشبابها، ليس على «دع أذاهم» بل على «اقتلوهم حيث ثقفتموهم»، ودون أن يكملوا الآية الكريمة أن «الفتنة أشد من القتل».

في علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية «يتم دراسة القيم والأحكام والسلوك الإنساني الخاص بأنواع مختلفة من المجتمعات البشرية**»، فكيف نقيّم سلوك الأمة العربية الإسلامية وهي واقعة تحت قيم وسلوك تبدو متناقضة؟ فالأصل هو الرحمة والتسامح، بينما نسخة سيد قطب هي الفتنة والقتل؟

والأصل هو المحبة والسلام، بينما نسخة «الإخوان» هي التحشيد والتجييش والتآمر والخيانة؟ والأصل هو التآلف والحوار، بينما نسخة أردوغان هي الخصومة والعداء والصراخ والتحريض؟

النتيجة الحتمية لظهور ذلك الجيل، الذي كتب مناهجنا في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ليس الإرهاب فقط، بل ظهر جيل كامل، لا يرى العثمانيين مثلاً، أنهم غزاة محتلون، بل يراهم قادة فاتحين، فيقول لي شاب عربي، على وسائل التواصل الاجتماعي، بكل سذاجة:

«ليس لدينا مانع أن يحتلنا أردوغان، فهو قائد مسلم..!»، أي أنهم زرعوا في عقول الناشئة، مفهوماً مختلطاً مغلوطاً، يمزج بطريقة غير مفهومة، بين الماضي والحاضر، وينسف الدولة الوطنية، والشعور بالولاء والانتماء للوطن، لحساب شخص آخر مدّعي، كما فعل «الإخوان» في مصر، حين باعوا أوطانهم، بثمن بخس لأردوغان!

يمكننا مناقشة الرئيس الفرنسي، عبر القيادات والمنظمات المؤهلة لذلك، برأيه الحاد تجاه «حرية التعبير»، هذه إحدى قيمنا الأصيلة، ولكن لا يمكننا أبداً أن نحكم على الشعب الفرنسي مثلاً، ولا على أي فرنسي موجود في العالم، أنه يمثل الإرهاب، لأنه بريء.

ولأن ذلك خارج عن قيمنا وسلوكنا الحضاري والإنساني، الذي لا يسمح أيضاً لكل من يتنطح للحديث باسمنا، كما يفعل أردوغان، خدمة لأغراض سياسية، بلهجة لا تعبّر عن قيمنا القائمة على التسامح والسلام.

أعتقد أن الوقت قد حان لمراجعة المناهج العربية جميعاً، لتستند إلى القيم الراسخة الأصيلة، والتي تزرع في عقول الناشئة أننا أمة رحمة وتسامح، وتكرّس الجوانب الوطنية، التي تحمي المجتمعات من الانزلاق نحو التطرف.

** دينكن ميتشيل، معجم علم الاجتماع، ترجمة د. إحسان محمد الحسن، دار الطليعة- بيروت، ط1، 1981، ص23.

* كاتبة وإعلامية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات