الرهان الخاسر

لا يغيب عن ذاكرتي وذاكرة غيري ممن عاصروا وشاهدوا عن قرب تظاهرات 25 يناير في مصر عام 2011، أحد الفصول المراوغة لما سمي بالربيع العربي، مشهد هيلاري كلينتون وزيرة خارجية أوباما، وهي تصعد بخيلاء درج مبنى حكومي، وتقول بلهجة آمرة تتسم بالتعالي والغطرسة والتسلط: الآن يعني الآن!

كانت أقصى أماني المتظاهرين في الميادين المصرية في الأيام الثلاثة الأولى للتظاهر، هي المطالبة بوقف عنف الشرطة، وإقالة وزير الداخلية، بعد وفاة شاب اسكندري اتهمت الشرطة بتعذيبه أثناء احتجازه. لكن حركة حماس وحزب الله اللبناني كان لهما رأي آخر.

تدفقت ميليشيات الحركة والحزب إلى الحدود المصرية، واقتحمت السجون وأفرغتها من السجناء الجنائيين ومرتكبي جرائم الإرهاب وغيرهم من قيادات جماعة الإخوان، وأمدتهم بالسلاح وأجهزة هواتف واتصالات حديثة تعمل مباشرة عبر الأقمار الصناعية، فضلاً عن أموال طائلة، وهربت بعض أعضائهما خارج الحدود.

وبدأت فيالق الجماعة وقادتها في التدفق من السجون إلى الميادين في شتى المحافظات المصرية، ليتغير المشهد فجأة، فيتولى الجنائيون الهاربون من السجون مهام اقتحام المباني والمؤسسات الرسمية لنهبها وتدميرها، والسطو على المنازل والممتلكات الخاصة، ويتولى أعضاء الجماعة اقتحام أقسام الشرطة، في وقت واحد، في كل المدن المصرية، والاستيلاء على أرشيفها ومحتوياتها، بينما كان قادة «الإخوان» يحثون المتظاهرين على المطالبة بإسقاط النظام ورحيل الرئيس مبارك.

نصبت فضائية «الجزيرة» أمام أعيننا، أجهزة بثها المباشر على الهواء في قلب ميدان التحرير، ومولت فيالق من المندوبين لها في معظم المحافظات الأخرى، لتؤكد للعالم، أن جماعة الإخوان باتت تسيطر على الميادين، وظهر شعار «ارحل» فجأة، وأخذ طريقه للانتشار والذيوع بسرعة البرق، بعد أن تم طبعه على لوحات إعلانية فاخرة، وأخذ في الارتفاع على أسطح المباني والسيارات العامة والخاصة. وبعد أن كان المطلب هو إقالة وزير الداخلية، تغير الشعار بسرعة الضوء إلى المطالبة برحيل الرئيس حسني مبارك.

وفى تلك الأثناء، جاء تصريح هيلاري كلينتون الخشن، الذي تخلّى عن اللغة الدبلوماسية المعتادة في التعامل بين مسؤولي الدول، بمطالبة الرئيس مبارك بالتخلي عن منصبه «الآن وفوراً»!

كان التصريح بمثابة الضوء الأخضر الأمريكي لفتح أبواب مصر لتولي جماعة الإخوان الحكم، وإيميلات كلينتون التي تم الكشف عنها مؤخراً في سياق التنافس في معركة الرئاسة الأمريكية بين ترامب وبايدن، لا تقدم جديداً سوى تأكيدها ما كان معلوماً لدى المجلس العسكري الذي تولى حكم مصر في الفترة الانتقالية بعد تنحي الرئيس مبارك، وبين الأوساط السياسية والحزبية. بات واضحاً لجميع الأطراف السياسية، أن «الإخوان» قادمون، بدعم أمريكي، لحكم مصر.

لم تكن إدارة أوباما تخترع جديداً لما أضحى راسخاً لدى المؤسسات الأمريكية النافذة، منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، وما قبلها.

وبعد الصدام الدامي مع نظم الحكم الملكي والجمهوري، هاجرت كوادر جماعة «الإخوان» من مصر إلى دول الغرب، الأمريكي والأوروبي، وتمكنت من التأثير في مواقع اتخاذ القرار من خلال المراكز البحثية الفكرية التي شاركت في تأسيسها، ومن نفاذها للعمل في بعض تلك المواقع الرسمية، ورسخت عبر ذلك، الصورة الذهنية التي تشتهيها عن نفسها، بأنها جماعة تؤمن بقيم الغرب الليبرالية، وأنها أكبر الجماعات المنظمة داخل المنطقة العربية، وأنها جماعة سياسية بمرجعية دينية معتدلة.

وأصبح الشائع بعد أحداث سبتمبر، أن تتبنى الإدارتان الجمهورية والديمقراطية في الولايات المتحدة هذا التصور، بزعم محاربة المنظمات الإرهابية التي ترفع شعارات دينية. وبرغم الخراب الذي أحدثته جماعة «الإخوان» في مصر ودول المنطقة، تونس والجزائر وليبيا واليمن وسوريا ولبنان والعراق، فلا يزال هذا التصور سائداً في الغرب، ولم يستطع الرئيس ترامب من تنفيذ وعده، بوضع جماعة الإخوان على لائحة المنظمات الإرهابية، لأن الجماعة أداة طيعة في يد قوى غربية عديدة، لتحقيق ما ترى أنه مصالح لها في المنطقة.

والقول الشائع في بعض وسائل الإعلام العربي، أن الكشف عن إيميلات كلينتون «سوف يؤثر في نتائج الانتخابات الأمريكية المرتقبة لصالح ترامب، بما يهدد مستقبل جماعة الإخوان»، هو تسرّع في الاستنتاج، ورهان خاسر على العامل الخارجي في حماية بلداننا من إرهاب الجماعة.

جماعة «الإخوان» تفقد تدريجياً تأثيرها ونفوذها داخل مصر ودول المنطقة، والرهان الوحيد للحد من خطرها، هو على القوى المستنيرة العربية، سواء كانت في السلطة أو في المجتمع، وعلى خطوات النهضة والتحديث الجارية على قدم وساق داخل أوطاننا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات