تعهيد الخدمات العامة في الواقع الاقتصادي الجديد

تؤكد البيانات وجود كفاءات كبيرة مدفوعة بتعهيد الخدمات الحكومية حتى قبل انتشار كوفيد-19. ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال، بلغ الحد الأدنى من التوفير في التكاليف 11%، في الوقت الذي مثل التعهيد فيه 36% من إجمالي نفقات القطاع العام. وقد تبين من خلال تركيز الحكومات في المنطقة على آلية تطبيق التعهيد بشكل أفضل في مجال الشراكة بين القطاعين العام والخاص والخصخصة قبل الجائحة، أن المنافع الرئيسية ليست جديدة أو مفاجئة.

ومع ذلك، أصبح تعهيد الخدمات العامة أكثر أهميةً في ظلّ تكيف الحكومات مع الواقع الاقتصادي الجديد الناجم عن الجائحة العالمية. ويتيح التعاون مع القطاع الخاص تحقيق الكثير من الوفورات لدى القطاع العام، بفضل ما يقدمه من كفاءات من شأنها توفير خدمات محسنة وأكثر مرونة. وفي هذه المرحلة التي تحتاج فيها الحكومات إلى ترشيد نفقاتها ويحتاج فيها المواطنون إلى المزيد من الدعم الحكومي، تعتبر الحاجة أكبر لمشاريع التعهيد.

وأثبتت خدمات التعهيد بشكل واضح أنها طريقة أفضل لتعزيز مرونة الحكومة، خصيصاً بعد أن برزت مساوئ النموذج التقليدي في تقديم الخدمات الحكومية نتيجة التحديات الأخيرة التي فرضتها جائحة كوفيد-19 على دول العالم؛ إذ تأثرت الاقتصادات سلباً بالقيود المفروضة للسيطرة على تفشي الجائحة، مما اقتضى إجراء تخفيض قسري للنفقات والرواتب وتسريح الموظفين. ولن يتحسن هذا الوضع بسرعة سواء في القطاع الخاص أو العام. إلا أن مؤسسات القطاع العام التي اختارت تعهيد خدماتها الرئيسية بشكل استراتيجي قد نجحت بتجاوز التداعيات الأشد لجائحة كوفيد-19. وهكذا، يمكن أن تدرك الحكومات أهمية التعهيد في منحها الحماية والمرونة المرغوب بهما، في ظل التهديد الوشيك بمزيد من الطفرات أو السلالات الجديدة للفيروس أو حتى التجربة التي مرت بها خلال انتشار هذا الوباء.

وكانت القيادات التقدمية في دول المنطقة قد شرعت قبل بدء أزمة جائحة كوفيد-19 في حوارٍ جاد حول إمكانية الاستعانة بجهاتٍ مستقلة لتنفيذ العمليات الحكومية الكبيرة. وفي هذا الإطار، قدم المجلس الوزاري للتنمية بدولة الإمارات العربية المتحدة اقتراحاً مهماً في سبتمبر 2019، يقتضي إسناد الخدمات الاتحادية إلى شركات خاصة بهدف تعزيز مستوى الكفاءة والجودة.

وقد تحوّلت التوقعات إلى خطوات أكثر استباقية على أرض الواقع، حيث شمل ذلك الإعلان مؤخراً عن دمج حوالي 50% من الوزارات في دولة الإمارات، وإغلاق نصف مراكز خدمة العملاء الحكومية وتحويلها إلى منصات رقمية في غضون 24 شهراً. وقد تلجأ حكومات المنطقة، وخصيصاً الإمارات العربية المتحدة، إلى تعزيز المنافسة بين شركات القطاع عالمية المستوى، وتشجيعها على تصميم حلول مبتكرة والموافقة على عقود لتحويل وتقديم الخدمات على المدى الطويل، مثل الخدمات ذات الصلة بالضرائب والمعاشات والقضاء والرعاية الصحية.

وقد يرسم ذلك من الناحية النظرية ملامح واعدة لشركات القطاع الخاص خلال الفترة المقبلة. ولكن سيتوجب على الشركات الخاصة الراغبة بالمنافسة التقيّد بمستويات عالية من الجودة والكفاءة، مع مراعاة أن تُحقق عقود الخدمات كل الأهداف المرجوة، بما يشمل تحسين تجربة المتعاملين، والتكاليف المنخفضة للغاية، وشفافية البيانات والتحليلات المتقدمة، والتكنولوجيا عالمية المستوى التي تشمل تقنيات الأمان، إلى جانب الحفاظ على الطابع الوطني للمؤسسات.

وكما هي الحال مع أي شيء آخر، لا بد من وجود بعض التحديات. لكن يُعتبر اختيار الشريك المناسب الذي يتمتع بالسجل المالي والتقني والتشغيلي المناسب أمراً محورياً للنجاح بالنسبة للحكومات. تعمل سيركو في هذا المجال بجميع أنحاء العالم، لذا اكتسبنا دروساً مستفادة من التحديات التي واجهتنا في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وآسيا، لنقدم أفضل الممارسات الرائدة عالمياً في الإمارات العربية المتحدة.

وعلى الرغم من أن بناء الثقة وتضمين فريق الدائرة الحكومية الخاص أمر أساسي من وجهة نظر سيركو، فقد أبدت منطقة الشرق الأوسط تردداً حيال تعهيد بعض الخدمات إلى القطاع الخاص، ولا يزال هذا التحفظ موجوداً إلى حدّ ما. وعلى الرغم من امتلاك سيركو لكافة جوانب الأمان وآليات العمل والتكنولوجيا والخبرة اللازمة من جميع أنحاء العالم للتعامل مع أهم الخدمات الحكومية الآمنة والسرية، سيبقى هذا التحول الثقافي تحدياً، نظراً إلى أن السماح للأطراف الخارجية بمعالجة مثل هذه الخدمات يُعد تغييراً جوهرياً بالنسبة للحكومة.

كما توفر سيركو على نحوٍ مستمر مواهب وطنية رائدة لقيادة هذه المبادرات (وتسعى للاحتفاظ بها ضمن مجموعة متنوعة من الأعمال القائمة)، وبصفتها عضو بلاتيني في نادي شركاء توطين أظهرت سيركو تقدماً كبيراً في هذا المجال. وفي النهاية، ينبغي أن تواصل الشركة وفرق عملها التركيز على تجربة المواطن/ العميل أولاً، حيث ستبقى هذه التجربة تحدياً يجب أن يواجهه كل من يسعى للنجاح في تقديم خدمة متميزة في قطاع الخدمات الحكومية، حتى مع شهر واحد أو سنة أو 10 سنوات من الخبرة في هذا المجال.

* مدير عام قسم الخدمات المتكاملة لدى شركة «سيركو الشرق الأوسط»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات