أهمية ثقافة الاستماع عند المسؤول

ترتقي المجتمعات والمؤسسات والأسر والأفراد بثقافة الحوار والاستماع المتبادل لبعضهم البعض، ليحقق كل شخص دوره في بيئته الاجتماعية أو الوظيفية بالطريقة المثلى.

ويعبر عن مشكلاته أو مقترحاته بسلاسة ودون أي معوقات، ومن أهم البيئات التي تحتاج إلى تعزيز هذه الثقافة الحضارية المهمة البيئة الوظيفية، التي تتضمن شبكة من العلاقات المتنوعة التي تستمر لساعات عدة، سواء بين زملاء العمل، أو بين الرؤساء والمرؤوسين، أو بينهم وبين المتعاملين.

ومن أهم ركائز هذا الباب استماع المسؤول لموظفيه، وفتح بابه وصدره لهم، متحليًا في ذلك بلين الجانب وسعة الصدر والبشاشة وحسن الكلام والرد، ليكون كالأب الحنون لهم، والأخ الكبير معهم، يمنحهم فرصة التحدث، ويذلل لهم الصعاب، ويأخذ بأيديهم إلى طرق الإبداع والارتقاء، وكم من مسؤول صنع عقولاً، وبنى كفاءات، وطوَّر مهارات، وخلَّد سمعةً طيبةً وذِكرًا حميدًا، بثقافة الاستماع لموظفيه.

والتحلي بهذه الثقافة يحتاج من المسؤول إلى مقومات، من أهمها التواضع، والنظر إلى المنصب الذي يشغله على أنه تكليف ومسؤولية، وأن من جوانب هذه المسؤولية العناية بالموظفين، والاهتمام بهم، والاستماع إليهم، دون أي غضاضة، وهو ما يحتاج منه إلى مجاهدة النفس، ومراقبة الله تعالى، والحذر من معوقات التواضع، سواء كانت معوقات نفسية كحب الاستعلاء والعظمة، أو تصورات فكرية خاطئة، كأن يظن أن التواضع يُنقص قدره وهيبته، والأمر بخلاف ذلك، ففي الحديث النبوي:

«ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»، ولنا في قيادتنا الحكيمة قدوات مشرقة ونماذج ملهمة بتواضعهم، حتى ضربوا في ذلك أروع الأمثلة، وهم من هم في مكانتهم الرفيعة ومسؤولياتهم الكبيرة، فلم يزدهم التواضع إلا محبةً في القلوب، وتوقيرًا في النفوس، وسيرةً عطرةً تفوح شذاها في الداخل والخارج، وهو ما ينبغي على أي مسؤول أن يتحلى به في أي مكان كان.

ومن الأمور التي قد تُعيق المسؤول عن الاستماع لبعض موظفيه بناء أحكام مسبقة عنهم، أو التحيز ضدهم لأسباب غير موضوعية، أو عدم إعطائهم الثقة، نتيجة استنتاجات خاطئة أو وشايات أو أسباب خاصة، ما يؤدي به إلى عدم منحهم فرصة التحدث، أو يستمع إليهم بقلب منغلق، دون إعطاء نفسه فرصة لفهمهم والتفاعل الحواري الإيجابي معهم، فالاستماع ليس مجرد عملية فسيولوجية بحتة، بل هو روح وتفاعل وانفتاح.

ومن ذلك كذلك عدم تحقيق المسؤول التوازن بين الرغبة الشديدة في تعزيز الإنتاجية وبين الاهتمام باحتياجات الموظفين وتعزيز بيئة السعادة المناسبة لهم، فلا يعطيهم الفرصة للاستماع إليهم، بل ربما ظن أن ذلك يؤدي إلى تساهلهم وتهاونهم في العمل، ما يؤدي إلى ضعف إنتاجهم، وتراكم المشكلات عليهم، دون أن يجدوا أي متنفس للتحدث إلى مسؤوليهم.

وقد اعتنت دولة الإمارات بهذا الجانب عناية كبيرة، فأعلت من قيمة السعادة وجودة الحياة لدى الموظفين، وجعلت لذلك أولوية، وأطلقت البرنامج الوطني للسعادة والتي من ركائزها تضمين السعادة والإيجابية في سياسات وبرامج وخدمات الجهات الحكومية كافة وبيئة العمل فيها، انطلاقاً من إيمانها بأن ذلك من أكبر الدوافع لتعزيز الإنتاجية وجودة العمل، وأن الاستثمار الأكبر هو الاستثمار المتكامل في بناء الإنسان.

ومن المقومات التي يحتاج إليها المسؤول التحلي بالصبر وطول البال، فالاستماع مرتبط بذلك ارتباطاً وثيقاً، فهو في حقيقة الأمر حبس النفس لاستقبال الأذن كلمات المتحدث بفهم واستيعاب، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان المسؤول يملك نفسه، ويضبط انفعالاته، مرتقياً في درجات الصبر والحلم في علاقته مع موظفيه، ولذلك قيل: «أفضل أخلاق الرجال التَّصبُّر»، وفي الحديث النبوي:

«من يتصبَّر يُصبِّره الله، وما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر»، واعتنى بذلك الحكماء والأدباء، قال ابن المقفع: «تعلَّم حسن الاستماع كما تتعلَّم حسن الكلام، ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلة التلفُّت إلى الجواب، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم، والوعي لما يقول».

إن ثقافة استماع المسؤول لموظفيه مسؤولية قيادية، ذات ثمار متعددة، وهي وسيلة للتصحيح وتبادل الخبرة والمعرفة والتطوير ورصد التحديات ووضع الحلول والمقترحات، بالإضافة إلى بناء أهم عنصر في صرح الإنجاز وجودة العمل وهو الإنسان.

* رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات