هذه مالطا! شيء جديد

كانت مالطا حاضرة في الإمارات لنحو عقدين من الزمان، إلا أن عام 2020 كان الأهم من ناحية توطيد العلاقات، ليس لأننا نتكلم ونتفاعل ونجتمع أكثر من أي وقت مضى فقط، بل لأننا، رغم الجائحة التي صدمت العالم كله، اجتمعنا معاً كدولتين لديهما الكثير من القواسم المشتركة لمواجهة تحدي «كورونا»، وقامتا بتحويله إلى فرصة. وفي سبيل توطيد العلاقات بين الدولتين، فقد عينت جمهورية مالطا أول سفير مقيم في الإمارات في العاصمة أبوظبي، ومن ناحيتها رحبت دولة الإمارات بهذا القرار بصدر رحب.

ولذا أكتب لكم عن بلادي آملةً أن يشجعكم هذا المقال على البحث بتعمق عن مالطا، وما توفره من النواحي المختلفة، وعن سبب تواجدنا في الإمارات.

قد تبعد مالطا عن الإمارات مسافة بضع ساعات من الطيران، إلا أن البلدين يتشابهان كثيراً. فكلاهما يمتلكان حكومة طموحة تمتلك الرؤية والعزيمة لقيادة بلديهما إلى المراكز الأولى في منطقتهم وباقي العالم، وكلاهما يؤمن بتكوين مجتمع متسامح متعدد الثقافات يمكن للجميع المساهمة في بنائه، والازدهار من خلاله، ويحقق لهم جني عائد هام، وهو الحصول على حياة سعيدة ومُرْضِيَة.

وتبعاً لتأسيس العلاقات الدبلوماسية، فقد وقعت مالطا والإمارات العربية المتحدة على عدد من الاتفاقيات، وهي اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي في عام 2006، واتفاقية الخدمات الجوية في عام 1994 (والتي تم تعديلها في عام 2006 ومرة أخرى في عام 2007)، وفي عام 2014 تم توقيع مذكرة تفاهم بشأن الاستشارات السياسية، فضلاً عن مذكرة تفاهم بشأن التعاون في الإدارة العامة وقعت في عام 2016.

واعتماداً على هذا الهيكل القانوني الصلب، فإن كلا البلدين عازم فعلاً، عبر القنوات الدبلوماسية والسياسية، على توسيع التعاون في قطاع الصحة وخدمات المياه والابتكار والتعليم والتدريب والاتصال والتعاون الشبابي والتعاون الثقافي والأكاديمي.

ومع هذه المعايير، فإن كلا البلدين، بصفتهما أعضاء في عدد من المنظمات الإقليمية والدولية، لديهما الفرصة لتوسيع سبل التعاون على المستوى الإقليمي والعالمي.

ففي عام 2007، كانت مالطا - عضو الاتحاد الأوروبي - هي من وضعت تصوراً للحوار الأوروبي العربي، حيث أطلقت أول اجتماع وزاري بين الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية في عام 2008 في مالطا. وبصفتها دولة أوروبية تتمتع تقليدياً بعلاقات قوية مع العالم العربي، فإن مالطا في وضع مثالي للعمل مع شركائها في الإمارات العربية المتحدة والخليج. في عام 1972، زار رئيس الوزراء آنذاك دوم مينتوف دولة الإمارات العربية المتحدة، وأجرى محادثات مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وقد قطع كلا البلدين شوطاً طويلاً منذ ذلك اليوم، محلياً وثنائياً وعالمياً.

وفي الأمم المتحدة، تتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2022 إلى 2023، بينما تسعى مالطا للحصول على مقعد غير دائم في المجلس للفترة 2023 إلى 2024، ما يعني أنه إذا تم انتخاب كلاهما في السنوات الخاصة بهما، فستتاح لمالطا والإمارات - لمدة عام واحد على الأقل - فرصة العمل معاً في عدد كبير من القضايا التي تتوافق مع إرادتهما المشتركة لإرساء السلام العالمي المستدام، وبناء المجتمعات، وخلق الاحترام لكرامة الإنسان، ونشر قيم التسامح، فضلاً عن إنهاء الفقر، وعدم ترك أي شخص خلف الركب، وكلها من العناصر المشتركة بين سياساتنا الخارجية. وارتباطاً بالمنظور الدولي، اعتمدت مالطا أخيراً أول ممثل دائم لها لدى IRENA - الوكالة الدولية للطاقة المتجددة - ومقرها أبوظبي.

فعندما كان على الدول الأعضاء في 29 - 30 يونيو 2009 في اجتماع شرم الشيخ اختيار موقع لمقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، دعمت مالطا استضافة الإمارات المقر دون تردد، والذي أصبح الآن علامة بارزة في مدينة مصدر بأبوظبي.

المستقبل مثير!

لقد عملت كل من مالطا والوكالة الدولية للطاقة المتجددة بشكل نشط وحددت مجالات التعاون ومشاركة الخبرات في قطاع الطاقة المتجددة. وبالمثل، لم تتردد مالطا في عام 2015 في دعم الإمارات لاستضافة معرض إكسبو 2020. نحن متحمسون للعمل مع أصدقائنا الإماراتيين من أجل افتتاح معرض «إكسبو 2020 دبي» في أكتوبر 2021 ولجذب أكبر قدر ممكن من المشاركة لهذا الحدث العالمي، الذي من المقرر أن يبهر جمهوره مرة أخرى.

ولا يمكن أن يمر عيد استقلال مالطا دون ذكر الجالية المالطية المجتهدة والمثابرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي مثلت مالطا منذ فترة طويلة بشكل لا تشوبه شائبة في هذا البلد، ولا تزال تفعل ذلك من خلال عملها الجاد، ومساهمتها في استمرار تطوير دولة الإمارات العربية المتحدة، لترفع راية مالطا وما تمثله من قيم رفيعة.

وهذا بالفعل سؤال جيد: ماذا تمثل مالطا؟

إذا كان الحجم مهماً فعلاً، فإن أبعاد بلدي - أكثر من أي شيء آخر - ميزة. فيمكنك التنقل من المنحدرات إلى المدينة إلى الشاطئ إلى المنزل، في غضون دقائق.

وبغض النظر عن مدى ازدحام الشارع، إذا كنت بحاجة إلى المساعدة، فإن الجميع يهب لمساعدتك.

مالطا تعني سهولة الوصول والمرونة والنزاهة. وفقاً لمحتواها التاريخي، أتقنت مالطا - على مدى قرون - القدرة على تحويل نفسها، والتكيف مع المواقف المتغيرة، متنقلة بين إمبراطوريات مختلفة، وحكام جدد وظروف جديدة، حتى تسلّمت أخيراً، في عام 1964، مقاليد إدارة أمورها، وانطلقت كدولة ذات سيادة.

اختارت مالطا أيضاً الحياد عندما أعلنت نفسها محايدة في 15 مايو 1981، أي بعد عامين تقريباً من توقف مالطا عن كونها قاعدة بحرية عسكرية. وفي عام 2021، تحتفل مالطا بمرور 40 عاماً على الحياد الدستوري.

وما هي قيمة هذه المعلومات؟

في منطقة كانت منذ فترة طويلة متورطة في صراعات عمرها قرون، مالطا المحايدة لا يحكمها أحد، وهي ليست قاعدة عسكرية لأحد، ولا يستغلها أحد، ولكنها تتحدث إلى الجميع، وتضفي بطبيعتها واجب إحضار الأطراف المتحاربة إلى طاولة المفاوضات.

وكموضوع للنقاش، ليس فقط بما يخص مالطا، كان الحياد الدستوري هو الدافع لسياسة مالطا الخارجية، والأهم من ذلك رسالتها المتوسطية لتعزيز السلام والأمن والاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وتمتد هذه الفكرة الآن إلى ما وراء المنطقة: أولئك الذين نسميهم جيران الجيران، مثل دول الخليج وأفريقيا جنوب الصحراء، حيث تعمل مالطا جاهدة لترك بصماتها.

لقد كانت بالفعل سنة فريدة من نوعها. فسيدخل عام 2020 في كتب التاريخ باعتباره عاماً كثرت فيه العديد من الأحداث. وقد رأينا غضب الموت والدمار، والاضطراب الشامل في الاقتصاد العالمي، ودمار صناعة الطيران، وظروف غيّرت حياتنا اليومية، مثل الانفصال الأسري، وفقدان الوظائف، وشهدنا انهيار الوجهات السياحية، ومخاوف الأمن الغذائي والمائي، والأهم من ذلك، رأينا ضعف أنظمة الرعاية الصحية في أنحاء من العالم.

ومع ذلك، في ملاحظة أكثر إيجابية، فقد ذُكرنا جميعنا بأهمية الإنسانية، وتعلمنا المرونة والتفكير خارج المألوف.

وهذا هو بالضبط ما تفعله سفارة مالطا في الإمارات العربية المتحدة: التفكير بما يتجاوز المألوف.

فمن يريد المألوف، إن أمكن الحصول على المألوف الجديد؟!

ومن يريد المألوف، إن أمكن الحصول على شيء جديد؟!

 

* سفيرة مالطا لدى الإمارات العربية المتحدة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات