الشارع ينتصر للدولة الليبية

مياه جديدة جرت في النهر. الأزمة الليبية تأخذ منحى جديداً، أصدقاء الأمس صاروا أعداء اليوم، فايز السراج يعزل فتحي باش آغا وزير الداخلية من منصبة للتحقيق معه، باش آغا يرى أنه الأحق بإدارة شؤون الغرب، الشارع الليبي خرج بتظاهرات تعكس رؤية الطرفين، لافتات وهتافات تنتصر للدولة الوطنية الليبية، صراع بقاء وقوة ونفوذ. تركيا تلعب بطريقة جديدة، تبدو غاضبة من السراج، ولم تخف ابتسامتها في وجه باش آغا. الطريق إلى الاستقرار حافل بالغيوم.

الذكاء السياسي أن ينجح الليبيون في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة للم شمل الليبيين، وعدم السماح لأي تدخل أجنبي. أمواج سياسية تتصاعد هنا وهناك، المبادرتان اللتان أصدرهما الأيام الماضية كل من عقيلة صالح، رئيس البرلمان الليبي، وفايز السراج رئيس حكومة الوفاق، ربما تكونان مبادرتين تقودان الأزمة الليبية إلى بداية انفراجة.

المبادرتان أحدثتا ـ دون شك ـ دوياً كبيراً، تباينت التحليلات والتفسيرات حولهما، لكن المؤكد أن هاتين المبادرتين يمكن البناء عليهما لصالح الليبيين أنفسهم، إذا ما أحسن الليبيون توظيف واستثمار الفرصة والوقت، والبناء على ما تضمنته بنود المبادرتين.

ولو قرأنا سطور هاتين المبادرتين، نجد أن الموقف المصري تجاه القضية الليبية، يسير منذ اللحظة الأولى في الاتجاه الصحيح، وفقاً لمعطيات مدروسة جيداً، واستناداً إلى تقدير مؤقت للقضية بأبعادها المختلفة.

هنا لا بد أن نتوقف كثيراً عند يوم السادس من يونيو، حيث «إعلان القاهرة» بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، وقائد الجيش الوطنى الليبي، المشير خليفة حفتر.

وجاءت وجهة نظر القاهرة قاطعة وفاصلة وسباقة في وضع النقاط على الحروف، إذ تضمنت أهداف مبادرة القاهرة، التأكيد على وحدة وسلامة الأراضي الليبية، واحترام جميع الجهود والمبادرات الدولية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبناء عليه تلتزم جميع الأطراف بوقف إطلاق النار، والارتكاز على مخرجات مؤتمر برلين، التي نتج عنها حل سياسي شامل، واستكمال أعمال مسار اللجنة العسكرية (5+5) بجنيف، برعاية الأمم المتحدة، والعمل على استعادة الدولة الليبية لمؤسساتها الوطنية، وقيام كل إقليم من الأقاليم الثلاثة بتشكيل مجمع انتخابي، يتم اختيار أعضائه من مجلسي النواب والدولة الممثلين لكل إقليم، وقيام كل إقليم باختيار ممثله للمجلس الرئاسي ونائب لرئيس الوزراء من ذوي الكفاءة والوطنية، بهدف تشكيل مجلس رئاسة مكون من رئيس ونائبين، ومن ثم يقوم المجلس الرئاسي بتسمية رئيس الوزراء، ليقوم بدوره، هو ونائباه، بتشكيل حكومة وعرضها على المجلس الرئاسي، تمهيداً لإحالتها لمجلس النواب لمنحها الثقة.

يأتي بعد «إعلان القاهرة» تاريخ في غاية الأهمية، وهو يوم 20 يونيو 2020، الذي شهد زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى قاعدة «سيدي براني» بالمنطقة الغربية لمصر، وأعلن خلالها أن «محور سرت والجفرة خط أحمر».

يأتي إضافة إلى ذلك، المؤتمر الحاشد الذي فوض فيه زعماء القبائل الليبية الرئيس السيسي، بالتدخل العسكري للحفاظ على الدولة الليبية، وهو التفويض الذي أكده البرلمان الليبي، ومجلس النواب المصري.

إذن، نحن أمام شواهد تقودنا إلى هذه النتائج التي وصل إليها المشهد الليبي الآن، الدولة المصرية قالت كلمتها منذ البداية، بكل قوة حفاظاً على أمنها القومي، وعروبة أمنها القومي أيضاً، وتأكيداً على بناء الدولة الليبية الوطنية، بعيداً عن الميليشيات والجماعات الإرهابية، والمرتزقة، والتدخلات الأجنبية، وها هو الشعب الليبي، بل العالم، يدرك جيداً أهمية التحركات المصرية على مختلف الأصعدة السياسية والدبلوماسية، ربما تضمنت هذه الرحلة رسائل عديدة، لكن ظل مطلب السلام في حل الأزمة هو القاسم المشترك بينها. ربما يتساءل البعض: ماذا تحمل الأيام المقبلة لليبيا؟ وهل تصل هاتان المبادرتان إلى تحقيق المصلحة العامة للشعب الليبي، دون تدخلات خارجية؟ وإلى أين تصل سفينة الغرب الليبي؟ الواقع حتى هذه اللحظة يقول إن السيناريوهات مفتوحة، وإن الوصول إلى نتائج عملية وواقعية تحمي وتصون التراب الليبي ومقدرات شعبه، يحتاج إلى حكمة سياسية، ومصداقية من جميع الأطراف، بعيداً عن الصفقات السرية والمناورات غير الآمنة.

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات