أفراح منسية

تكالبت الضغوط على مصر المحروسة في الآونة الأخيرة، حيث تهديدات مرتزقة أردوغان من جهة، والتعثر في مفاوضات سد النهضة الأثيوبي في الجنوب من جهة ثانية، وبينهما جائحة كورونا العالمية من جهة ثالثة، لتجعل مناسبة غالية على قلب كل مصري وعربي، تمر دون الاحتفاء اللائق بها، ومنحها ما تستحقه من اهتمام، وهي حلول العيد الذهبي لافتتاح السد العالي.

تعود فكرة بناء سد لحجز مياه نهر النيل في أوقات الفيضان خلفه في مدينة أسوان، لتستفيد منه مصر في أوقات شح المياه والجفاف، إلى بدايات القرن العشرين.

حيث شيّدت البلاد خزان أسوان عام 1902، وتمت تعلية الخزان مرتين في عامي 1912 و1933، وتوارثت الحكومات التي تعاقبت على حكم مصر فكرة بناء سد لتوليد الكهرباء وزيادة حصة مصر من المياه المهدرة في وقت الفيضان، إلى أن تبنت ثورة 23 يوليو بقيادة جمال عبدالناصر الفكرة، حين اتخذ قراراً بتنفيذها.

شكل البدء في بناء السد العالي عام 1960 - بعد أن كان عبدالناصر قد وقع في عام 1958 اتفاقية لتمويل بنائه مع الاتحاد السوفييتي، والمعارك التي تم خوضها لتمويله بتأميم عبدالناصر قناة السويس، بعد أقل من أسبوع، من قرار البنك الدولي سحب تمويله لبنائه.

والتصدي للعدوان الثلاثي، انتقاماً من قرار التأميم - شكل كل ذلك فتحاً جديداً في التاريخ السياسي العربي والدولي المعاصر، أرست به الأمم الصغيرة، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قواعد استقلال إرادتها الوطنية في عالم القطبية الثنائية والحرب الباردة، الذي صاغه وتحكم به، الصراع الأمريكي - السوفييتي.

عاصرت مع جيلي مشاهدة مياه الفيضان وهي تغمر الشوارع والطرقات والأزقة والأحياء القاهرية، وأحياناً تتمدد داخل الأدوار السفلى من المباني والبيوت، بجانب إتلافها المحاصيل والأراضي الزراعية في قرى الريف وإغراق مبانيها الطينية.

فضلاً عما صاحب ذلك من موجات جفاف وظهور بعض الأمراض وانتشار الأوبئة. وما أن اكتمل بناء السد، وتم افتتاحه قبل 50 عاماً، في يوليو 1970، حتى اختفت تلك المشاهد نهائياً، كما أمكن رسم الخطط العلمية لضبط استخدام المياه، والتقليل من هدرها، والتصدي للأوبئة التي خلفتها أمراض نهشت عبر عقود، أكباد المصريين وأعمارهم.

المعنى الحقيقي لضرورة الاحتفال بذهبية السد العالي، هو الدعوة لتأمل رمزية هذا البناء على المستويين العربي والمصري، الذي يعد واحداً من المشروعات الكبرى العملاقة في القرن العشرين، واستخلاص الدروس من الظروف المناخية والسياسية القاسية، التي أحاطت ببنائه، والتعلّم منها وعدم نسيانها.

فقد أتم الشعب المصري بناء السد وهو مثخن بجراح هزيمة يونيو 1967 ومناخها المحبط، بعد أن كان قد تغنى به وغنى له:

«قلنا حنبنى وآدى احنا بنينا السد العالى». لم يفقد المصريون أبداً طوال 10 سنوات من الصراع مع قوى استعمارية عدوانية وغاشمة، وقوى مناخية صعبة وغير مواتية، إيمانهم بقدرتهم على قهر الطغيان والطبيعة وترويض النهر وتحطيم صخر الجبال، لحجز مياه الفيضان في أكبر بحيرة صناعية في العالم، ومن أكثرها فتنة وجمالاً، هي بحيرة ناصر.

وتوليد الكهرباء وتنمية البلاد وتصنيعها، وخلق العقلية الصناعية المتقدمة، لدحض خرافة الاستعمار البريطاني التي روج لها بأن «مصر لا تصلح سوى لزراعة المحاصيل التي تصنع خارجها»!

وفضلاً عن الدعم المالي والعسكري والفني من قبل الاتحاد السوفييتي، قدم بناء السد نموذجاً فذاً في العلاقات الدولية، نتوق إليه الآن بشغف، للتعاون المشترك بين الدول والشعوب، من أجل البناء والتعمير والتقدم البشري، وليس من أجل الاحتلال والاستغلال والنهب وإشاعة الفوضى والدمار والخراب.

حيث تزامل الخبراء السوفييت مع العمال المصريين في مواقع البناء، وسالت دماء الاثنين معاً على أحجار بناء السد، في معركتهما المشتركة لقهر قسوة الطبيعة والمناخ ومفاجآت النهر.

الاحتفال بالعيد الذهبي لبدء تشغيل السد العالي بكامل طاقته، مناسبة للفرح وللفخر والزهو، تذكر كل عربي من المحيط إلى الخليج، أن إرادة الأمم والشعوب قادرة على قهر المستحيل.

والتصدي لكل أنواع الطغيان، وأن الشعوب إذا أرادت ووثقت بنفسها، وآمنت بما تحوزه من قوة وعزم وطاقة، قادرة على أن تستخدم المعاول التي تعد لهدمها في البناء، ولا بد آنذاك أن يستجيب لطموحها المشروع والعادل القدر. ذلك هو درس السد العالي الغالي والخالد.

* رئيس تحرير «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات