«مالي» من منظور خليجي

تعددت أسماء إمبراطورية مالي القديمة، التي وجدِت لتدون التاريخ الأفريقي، فهناك من أطلق عليها «ملي»، وتعني بلغة البامبارا «فرس النهر»، أما البربر فقد أطلقوا عليها «مليت» أو«ملل»، وهو الاسم الأول لها حتى منتصف القرن الخامس الهجري، وأسماها العرب «مليل»، أما قبيلة الهوسا .

فإلى اليوم يطلقون على مالي اسم «ونقاراوا»، نسبة إلى جزيرة «ونقارا»، التي ساهم أهلها في نشر الإسلام في زمن الملك محمد رومفا، إلا أن الاسم الشائع لغرب أفريقيا هو «بلاد التكرور» لتبرز منها إمبراطورية مالي، وأهم مدنها تمبكتو، التي كانت تُسمى «مكة الأخرى»، لأنها كانت ممراً ونقطة انطلاق للقوافل الراحلة للحج، وحاضنة للدارسين في جامعة سانكوري، مركز العلم في ذاك الزمان.

ارتبطت شبه الجزيرة العربية بإمبراطورية مالي بانتشار الإسلام، وحملت العلاقات بين الطرفين دلالات خالدة ماثلة في عين التاريخ، بدءاً بزيارة ملك إمبراطورية مالي كانجا مانسا موسى لجزيرة العرب 1324م، مروراً بتدفق العلماء الأفارقة أمثال الشيخ عمرالفوتي، الذي أقام عقدين في جزيرة العرب، وانتهاءً بهجرات من غرب أفريقيا لشبه الجزيرة العربية، هرباً من بطش الاستعمار الذي جاء بعد مؤتمر برلين أو ما يسمى «مؤتمر الكونغو» 1884 - 1885م.

لعبت باماكو بعد الاستقلال دوراً محورياً في تعزيز التضامن الإفريقي، الذي كان قائده في ذلك الوقت الرئيس موديبو كيتا، حيث لعب دوراً في تشكيل اتحاد دول غرب أفريقيا. وبسبب الاستراتيجية التي فرضت على أفريقيا بإفراغها من الأصوات الوطنية، وإضعاف الأنظمة الأفريقية للاتحاد السوفييتي، تم الانقلاب على الرئيس موديبو كيتا عام 1968 بقيادة موسى تراوري لتعيش بعدها مالي عهداً، يصفه من عاصره بأنه مزق ما تبقى من إرث حضاري كانت تتباهى به مالي في أزمنة ماضية.

وفي عام 1991 تم الانقلاب على النظام العسكري بقيادة أمادو توري، وأطلق عليه «جندي الديمقراطية» لدوره في إنقاذ الشعب وتسليم السلطة للرئيس ألفا كوناري، الذي أنهى فترته الرئاسية عام 2002 ليصبح الرئيس المالي الوحيد الذي غادر السلطة طواعية، وهنا طرح أمادو توري نفسه للرئاسة وفاز بها، ليشكل حكومة ضمت جميع الأحزاب ليعود سيناريو الانقلاب عام 2012 بقيادة أمادو سانوغو، الذي علل ذلك بعجز النظام عن محاربة متمردي الشمال.

وبعد نجاح الانقلاب تم تنظيم انتخابات رئاسية فاز بها إبراهيم كيتا عام 2013، إلا أن تصاعد وتيرة الحراك الشعبي انتهى بانقلاب عسكري أفضى إلى استقالة الرئيس قبل أيام، لتدخل باماكو في مرحلة التجاذبات السياسية التي لم تخرج منها منذ ستينيات القرن الماضي.

يتطلع الشارع المالي اليوم إلى مالي جديدة والحديث عن مرحلة انتقالية لن يتم من دون الاتفاق مع كل الأطراف، بما فيهم قادة الحراك الشعبي الذين أثبتوا بأن دورهم في ثبات أو زوال النظام لا يقل عن دور البعثات المتزاحمة على شواطئ الأطلسي، بل قد يتفوق عليهم.

خليجياً، تدرك الرؤية الخليجية أن ما ستؤول إليه الأمور في مالي سيطال سياستها الخارجية تجاه منطقة الساحل والصحراء، فمعنى أن نقوم برسم سياسة خارجية جديدة تجاه تلك المنطقة في حال تغيير قواعد اللعبة الدولية، يتطلّب أن نكون مستعدين للتحديات التي تقف حجر عثرة أمام المصالح الخليجية، خاصة أن جزءاً من استمرار تلك المصالح مرتبط بمن ينظر إلى تلك المنطقة كملكية خاصة لا مجال فيها للتغيير إلا بحدود ما يُسمح به، وعليه لا بد من الاستثمار في الموقف السياسي لمالي، والذي رأينا أثره أخيراً بدعم باماكو لدولة الكويت لعضوية مجلس الأمن في مارس 2019.

وحرصاً على الحفاظ على المصالح الخليجية، يجب أن تعمل دول مجلس التعاون على توحيد جهودها في منطقة الساحل والصحراء، تمهيداً لإرساء استراتيجية خليجية أفريقية تقود لتكامل خليجي، فالواقع السياسي الأفريقي يؤكد أن وجود المصالح الخليجية في تكتل جماعي سيعززها بشكل يفوق وجودها منفردة، ناهيك عن تعزيز الخبرة السياسية الخليجية لحقيقة الميدان الأفريقي.

* باحثة إماراتية في الشأن الأفريقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات