مرحباً بالواقع بشروط

عقود، وربما قرون طويلة مضت، ونحن نعتقد أن النعامة تدفن رأسها في الرمال إن واجهت خطراً داهماً. عقود مضت ونحن نعتقد أنها تدفن رأسها لتشعر بأنها في مأمن طالما لا ترى الخطر بعينيها.

وظللنا نردد عبارة «فلان يدفن رأسه في الرمال هرباً من مواجهة الواقع» حتى أصبح دفن الرؤوس في الرمال أسلوب حياة. لكن المفاجأة هي أن النعامة بريئة مما نسب إليها شكلاً وموضوعاً. فهي تبدو وكأنها تدفن رأسها، لكنها في حقيقة الأمر تحفر لبيضها، ثم تعاود الاطمئنان عليه.

وإذا كانت النعامة نفسها لا تدفن رأسها في الرمال للهروب، فلماذا نستمر نحن في اعتناق هذا المبدأ؟! بدأنا في إخراج رؤوسنا من دفنها قبل 41 عاماً. في 26 مارس عام 1979 وقعت مصر معاهدة سلام مع إسرائيل هندسها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، والذي تم اغتياله غدراً في عام 1981. وقتها، قامت الدنيا.

ولم تقعد بعد رغم مرور كل هذه السنوات، وحدوث كل تلك التغيرات. 41 عاماً لم تشهد فيها القضية الفلسطينية - التي هي قضية كل عربي - إلا خسائر وهزائم. بعضها تم تقديمه باعتباره «تقدماً كبيراً» والبعض الآخر تم الترويج لها وكأنها «نصراً عظيماً». لكن العبرة بالخرائط.

خارطة العالم العربي السياسية والاستراتيجية في عام 2020 تقول الكثير. وقول الواقع ونقله بموضوعية دون كذب ولو كان بهدف التجمّل يشير إلى أن العقد الثاني من الألفية الثالثة لا يناسبه الوهم أو يليق به الزيف. فرق كبير بين أن تحلم بأن تكون مليونيراً وأن تصبح واحداً منهم.

يحق لك اتخاذ خطوات فعلية كي تصبح مليونيراً، لكن أن تضطجع على أريكة وتنتظر أن تصبح مليونيراً أو أن يتبناك أحدهم ويحولك من خانة العوز إلى البحبوحة فهذا الوهم بعينه. ويتحول الوهم افتراء وإفكاً حين تقرر أن تسب الآخرين وتشتمهم لأنهم لم يلتفتوا إليك بينما أنت مسترخٍ على الأريكة ذاتها.

وينقلب الافتراء خداعاً وجدانياً حين يتصور المضطجع أنه يمتلك أدوات وقدرات وإمكانات لا وجود لها على أرض الواقع.

الواقع اليوم يشير إلى أن شعارات عقود مضت بقيت شعارات. لم تتحول إلى قدرات أو ملكات. والخلط هنا بين ما نحلم أن يكون وبين ما هو كائن بالفعل لن يدفعنا إلا إلى مزيد من دفن الرؤوس في الرمال. والإصرار على الاستمرار في لعن كل من يقرر أن يخلع عباءة الحلم وينزل أرض الواقع بأقل ضرر ممكن ما هو إلا إصرار على الاستمرار في الخيال غير العلمي.

قبل أيام، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة عن اتفاق سلام مع إسرائيل. بنود الاتفاق تحوي وقفاً فورياً لقرار الضم الإسرائيلي، وكذلك حفاظاً على قابلية حل الدولتين الذي يقره كل من جامعة الدول العربية والمجتمع الدولي.

وضمن بنود الاتفاق الكثيرة إبقاء الباب مفتوحاً أمام عملية السلام مع تعزيز أمن الأردن، وتأكيد على استمرار نهج الإمارات المعروف في دعم الشعب الفلسطيني وحقه ودولته المستقلة.

العجيب والغريب أن تأتي أصوات منتقدة ومعارضة وكأنها تحيا على المريخ. البعض من المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً عاودوا رفع شعارات الممانعة والمقاطعة، بينما بيوتهم وأرزاقهم وحياتهم في العمق الأمريكي والذي هو طرف في الاتفاق. وحين تسألهم: لماذا لا تبدؤون أنتم بالمقاطعة والممانعة وتتركون هذه البلاد فوراً لتكونوا قدوة؟

يأتيك صوت الصمت القاتل يصم الآذان. البعض الآخر يسخّر أذرعه الإعلامية والعنكبوتية والحنجورية لصب الغضب على الاتفاق. والمثير للدهشة حقاً أن غالبية هذه الأذرع تنتمي قلباً وقالباً إلى «دول» وكيانات طبعت مع إسرائيل قبل سنوات، بل بينها من يفخر بأنه الدولة المسلمة الأولى التي اعترفت بإسرائيل عقب قيامها!

قيام العلاقات بين الدول لا يعني عشقاً أو شيكاً على بياض. والعلاقات السياسية والاستراتيجية ليست زيجات تهدف إلى تأسيس أسرة، لكنها تحالفات مصالح مشتركة وتوازنات. النظرة الرومانسية للسياسة والتعامل الخيالي مع الاستراتيجيات والمنهج القائم على الرؤيا وليس الرؤية، كل ذلك أدى بالمنطقة العربية إلى ما هي عليه اليوم.

وتغيير ما نحن عليه اليوم لن يحدث أثناء الاضطجاع على الأرائك، أو التفرغ لإعادة تدوير الحلم، أو اتباع الطريق الأسهل ألا وهو تعليق شماعة الإخفاق على أكتاف الآخرين.

آخر ما يمكن قوله في هذا الشأن هو النظر إلى نموذج الاتحاد الأوروبي. ورغم المشكلات الكثيرة التي تعترضه، إلا أنه قائم على قوانين وحقوق وواجبات. ليس قائماً على «سواد عيون» الدول أو «طيبة قلوب» الشعوب. هو قائم على مصالح مادية وأمنية وسياسية واقتصادية تحكمها معاهدات وقوانين. هذا إن أردنا إلى نعدّل دفة مفاهيمنا للسياسة والأمن والحرب والسلام والحياة والرمال التي لا تدفن فيها النعامة رأسها.

* كاتبة صحفية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات