العمل التطوعي قيمة كبرى

تتجلى في الحياة العامة قيمة إنسانية كبرى لا تستغني عنها المجتمعات، وهي العمل التطوعي، الذي يتجاوز حدود الدوافع المادية، ويسمو بالإنسان إلى سماء التكاتف والتعاون والعطاء المتدفق لإغاثة الآخرين والتخفيف عنهم وإسعادهم، لا يطلب من ذلك جزاء ولا شكورا، ولا يخلو العمل التطوعي مع ذلك من فوائد جمّة تعود على المتطوع نفسه؛ استثماراً للوقت، وتنمية للمهارات المهنية والاجتماعية، وتعزيزاً للصحة النفسية، وغير ذلك.

وتزداد أهمية العمل التطوعي والتضامن في المجتمعات في أوقات الأزمات والكوارث، التي تفاجئ العالم هنا أو هناك، وتهدد الحياة البشرية، وتقتنص الضحايا والمصابين، ما يتطلب من ذوي الخبرة في شتى المجالات ومن كل مستطيعٍ المشاركة في تخفيف آثار هذه الأزمات، والتعاون في كبح جماحها.

لقد أثبتت جائحة «كورونا» المستجد أن البشرية في مركب واحد، وأن ثَمَّة أخطاراً عابرة للحدود، سريعة الفتك والانتشار، لا تميز بين مجتمع وآخر، فالكل في مرمى نيرانه سواء، وأن هذه الأخطار المحدقة العابرة للحدود قد تهدد وجودهم كجنس بشري، ما يتطلب منهم توحيد الجهود، وتغليب المصالح العامة، وتشجيع القيم الإيجابية، ومن أهمها العمل التطوعي، وتعزيز ما يخدم ذلك من الرحمة والعطف والتسامح وترك التعصبات بأنواعها والابتعاد عن الحروب والصراعات والأطماع ومخططات الفوضى والإضرار بالآخرين.

إن هذه الجائحة الكبرى التي تحاصر البشرية اليوم، تتطلب وضع استراتيجيات لتعزيز القيم الإيجابية في المجتمعات، ورفد أدوات التأثير من وسائل إعلام وتعليم وغيرها بها، وإعداد مخرجات تناسب ذلك، والتي تصب في التصدي لهذه الجائحة وتخفيف آثارها، وتنشر روح التضامن المشترك، وتكون ذخيرة حضارية لما بعد هذا الوباء، كما تتطلب من الأسر تعزيز هذه القيم في نفوس أبنائهم، وتربيتهم على التعاطف والتراحم والتكافل، ليس على مستوى التوعية والتوجيه النظري فقط، بل على المستوى العملي وهو الأهم، بأن تكون الأسرة نفسها قائمة على هذه القيم فيما بين أفرادها، فيتعاون الآباء والأمهات في رعاية وتنمية أبنائهم وبناتهم، ويتعاون الأبناء والبنات في مساعدة آبائهم وأمهاتهم، ويرسّخ الوالدان هذه القيمة بين أبنائهما كإخوة وأخوات، وبهذا تترسخ قيمة العمل التطوعي في نفوس الأجيال بشكل عملي في بيئتهم الأولى.

كما يأتي هنا دور العلماء والمفكرين والمثقفين وأصحاب الأقلام والأدباء والشعراء ومنتجي ومبتكري البرامج الثقافية والإعلامية والفنية والترفيهية وغيرهم، بتغذية كتبهم ومقالاتهم وبرامجهم وتطبيقاتهم وأعمالهم الفنية بالقيم الإيجابية التي تعزز التسامح والتراحم، وتكرس العمل التطوعي والتضامن، فتتكامل بذلك الجهود، ويصبح كل نشاط لبنة في تشييد هذا الصرح القِيَمي الحضاري.

ومن هذا المنطلق، شجعت دولة الإمارات العمل التطوعي، وأطلقت العديد من المبادرات لدعمه وتشجيع أفراد المجتمع عليه، وتأهيلهم وتدريبهم، ومنها مبادرة «تكاتف» و«ساند» و«البرنامج الوطني التطوعي» وغير ذلك، إيماناً بأهمية العمل التطوعي، وأثره الكبير في التنمية والازدهار وحفظ المكتسبات وتعزيز السلام والاستقرار.

وقد كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مؤسس الدولة، قدوة في التفاني والتضحية وإنكار الذات والعطاء المتدفق في رعاية الوطن وأبنائه، والوقوف مع القريب والبعيد في مختلف الأزمات والشدائد، وسارت على هذا النهج المشرق القيادة الحكيمة، حتى أصبحت دولة الإمارات من أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية، وهو ما تربى عليه المجتمع الإماراتي الأصيل، الذي تشبَّع بهذه القيم، حتى أصبح مثالاً للتضامن والتكافل والتراحم على مختلف الأصعدة.

وكما أن للعمل التطوعي محفزات فله أيضاً مهددات، ومن أخطرها الأيديولوجيات التي تغذي روح التصارع والتحزب والتطرف والتعصب في المجتمعات، فيصبح الإنسان عدواً لبني جنسه، يسعى للإضرار بهم لحساب مصالحه الضيقة، ويستغل الأزمات لتوسيع أنشطته المعادية، ويتاجر بآلام الآخرين، ويجعل العمل الخيري مجرد غطاء لمآربه، كما هو شأن تيارات التحزب الأعمى والتطرف المقيت.

إن العمل التطوعي في الإسلام ركيزة أساسية في منظومة الفضائل والقيم، تأنى بالإنسان عن أي مطمع، وتوجهه لإخلاص العمل لله تعالى، وتجعل سعيه في خير البشرية من صميم الإيمان وسبباً لنيل محبة الله تعالى، قال الله عز وجل: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات