«طبيب الغلابة» وجه مصر المشرق

تحولت تجربة الدكتور محمد المشالي، المعروف بكونه «طبيب الغلابة»، إلى درس عميق وسط الجماهير، واستوقفت الكثيرين للتأمل في تجربة رجل عظيم خدم الإنسانية، مخففاً آلامها قدر استطاعته، لا سيما شريحتها غير القادرة.

تابع ربما الملايين سيرة الرجل الأسطورة التي سردها بصدق الأنقياء وأصبحت مثالاً يحتذى. الدكتور الكبير كشف عن ظروف عائلته الصعبة وكيف أخبره والده بعجزه عن تحقيق أمنيته بأن يصبح طبيباً، حيث لا قدرة له على تحمل نفقات كلية الطب، ولكن لحسن حظ الغلابة، قرر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مجانية التعليم في ذات الوقت، فطار المشالي فرحاً والتحق بالكلية التي كان يحلم بها.

وإلى جانب أهمية التوقف أمام محطات عديدة في حياته، فإن سؤالاً يفرض نفسه للاستفادة من عبرته. ماذا لو أن جمال عبد الناصر لم يرتكب «هذا الفعل السيئ»، كما وصفه وزير سابق، ربما ما كان هو نفسه قد وصل إلى أي منصب لولا مجانية التعليم التي أدانها بصفاقة غريبة. ألم تسمح مجانية التعليم بظهور عبقريات مصرية عديدة، من أشهرها الدكتور محمد المشالي؟

هل يعقل أن يحرم مسؤول الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب من فرص اكتشاف المواهب أو العبقريات التي ذاع صيت بعضها عالمياً، ومنها العالم الكبير الدكتور أحمد زويل، مكتشف الفمتو ثانية، والذي نال جائزة نوبل العالمية، وقد أكد زويل أنه تلقى تعليمه في مصر، واستفاد من مجانية التعليم التي قررتها ثورة يوليو بزعامة قائدها جمال عبد الناصر. إن مجانية التعليم، والتي حرص على تدعيمها، الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتشمل الجميع، هي الأمل والسبيل الوحيد، لاكتشاف الجواهر الكامنة .

والتي يسجنها الفقر، أمثال المشالي وزويل ومجدي يعقوب وغيرهم من العلامات التي نفخر بها، هي القوة المصرية التي تفتح الآفاق أمام المواطن دون قيود، لا سيما ما يتعلق منها بالأحوال الاقتصادية، وهي التي ستدفع إلى الصفوف الأولى بالقادرين على النهوض بوطننا حتى يتبوأ المكان والمكانة اللائقة بـ«أم الدنيا».

ومن أجمل تداعيات تجربة طبيب الغلابة العظيم، رد الفعل الرائع الذي تركته، وأن «الإرادة المصرية لن تعلو عليها إرادة أخرى»، كما أكد السيسي، فسيرة الرجل على كل لسان، وأصبح مثالاً يحتذى، وهو ما يرسخ الإيمان بمكانة التعليم والاعتراف بعدالة الدولة التي تتيح الفرص للجميع، وتهيئ الأرض لظهور الإمكانيات، إلى جانب العبقريات.

وتلك خصائص ليست أبداً حكراً على الأثرياء أو القادرين، بل قد تكون في ثنايا تلافيف عقليات كثيرة، لا تنقصها غير الفرصة، وليت من يلومون ناصر على مجانية التعليم، يسمعون نبض الغلابة وأثر معالجة الدكتور المشالي لهم. ولا أنسى حواراً دار ذات يوم بين إقطاعي كبير وبيني في منتصف الستينيات من القرن الماضي.

حيث صب جام غضبه على الزعيم الراحل، لأن سيادة الإقطاعي، كان، كما قال، «يربط الفلاح في شجرة ويطلق عليه طلقتين فيموت مثل القطة، دون أدنى محاسبة»، حيث لم يكن له سعر قبل عبد الناصر. أجبته يومها بأن السبب الذي من أجله يكره هو عبد الناصر ويهاجمه، هو نفسه السبب الذي من أجله أحببته وأحبته الملايين، وهو أنه جعل للفلاح سعراً.

*كاتبة ومحللة سياسية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات