مواجهة الخطاب الإثيوبي بشأن السد

تتمحور رؤية إثيوبيا لسد النهضة، في أنه يمثل رمزاً وطنياً، ويعتبر بمثابة اللبنة الأولى في إعادة بناء هوية إثيوبيا بأعراقها المختلفة، كما أنه يمثل الرهان الأكبر للحصول على الطاقة الكهربائية الضرورية للنمو وخروج إثيوبيا من دائرة الفقر، وتتركز رؤية مصر في أن استكمال بناء السد وملء البحيرة والتشغيل بدون اتفاق قانوني وملزم بين الدول الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، يعتبر تهديداً للأمن القومي المصري، وأن الحق في التنمية يتلازم مع الحق في الحياة.

بيد أن الأمر فيما يتعلق بسد النهضة في الرؤية الإثيوبية يتجاوز بكثير ــ شئنا أم أبينا - مجرد الحق في التنمية والخروج من دائرة الفقر، ذلك أن بناء السدود عموماً، خاصة في دول المنبع، يمثل رمزاً للقوة والهيمنة على النيل، خاصة السد الذي تبنيه إثيوبيا ودخل مرحلة الملء الأول دون الاتفاق مع دول المصب مصر والسودان، فإثيوبيا تريد وتهدف من وراء ذلك إلى إحداث تغيير في الجغرافيا السياسية لحوض النيل وتأكيد نفوذها الإقليمي وفرض علاقات جديدة للقوة.

نمط التفاوض الإثيوبي الذي يرتكز على كسب الوقت والازدواجية والتملص من الاتفاقيات، يجد تفسيره في انفراد إثيوبيا بالهيمنة على النيل وفرض نمط جديد للعلاقات بين دول المنبع ودول المصب، والتحرر من أية التزامات وقيود يقتضيها التعاون المثمر بين الدول المشاطئة لنهر النيل يحفظ مصالح كافة الأطراف، وبدلاً من ذلك، فإن إثيوبيا تريد اتفاقاً استرشادياً فحسب، تطبقه أو لا تطبقه وفق ما تراه مناسباً لها، ذلك أنها بصدد بناء سدود أخرى في المستقبل ولا تريد قيوداً على إنشائها من قبل دول المصب.

تلعب الأفكار والرموز والتصورات التي يتضمنها الخطاب الإثيوبي الإعلامي والسياسي دوراً مهماً في تنفيذ هذا المشروع، فهذا الخطاب يركّز على أن بناء واستكمال هذا السد يعتبر مدخل إثيوبيا إلى عصر جديد من الصناعة والطاقة وتحسين مستوى الدخل وجذب المستثمرين، أما من الناحية القومية، فهو رمز للقومية الإثيوبية وتدعيم للهوية الإثيوبية بمختلف الأعراق التي تدخل في تكوينها، وتأكيد للنفوذ الإقليمي الإثيوبي، وتصريحات الساسة الإثيوبيين، كما الإعلاميين ورسامي الكاريكاتير، إن في وسائل التواصل الاجتماعي أو الصحف، تشير إلى ذلك دون مواربة.

يركز الخطاب السياسي والإعلامي الإثيوبي على أن مصر فرضت سيطرتها على مياه النيل طيلة العقود الماضية، وأنها استثمرت المياه من خلال بناء السدود، سد أسوان والسد العالي، وأنه آن الأوان لاستعادة إثيوبيا السيطرة على النيل.

بيد أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقتين تتعلقان بمصر، الأولى أن مصر ليست دولة منبع ومن ثم فإن السدود التي أقامتها لا تضر أي من البلدان المشاطئة، أما الثانية فهي أن مصر في نهضتها وتقدمها وحداثتها وصناعتها وزراعتها ومكانتها الدولية والإقليمية، لم تكن فحسب «هبة النيل» كما قال المؤرخ الإغريقي «هيرودوت» ولكنها أيضاً «هبة المصريين» كما يقول المؤرخ المصري، صاحب أول مدرسة في تاريخ مصر الحديث، محمد شفيق غربال، والذي يتساءل تحت هذا العنوان حول أن النيل يمر بدول كثيرة ليس من بينها دولة تضارع مصر في حداثتها وتقدمها، ويجيب عن ذلك أن المصريين بدأبهم وعملهم وتفكيرهم وعلمهم، هم الذين حولوا النهر إلى مصدر للحضارة والاستقرار والعمران.

تحاول إثيوبيا من خطابها السياسي والإعلامي الموجه للداخل والخارج بعث ماضي العلاقات بين العرب والمسلمين وبين الأفارقة، وأن تصور الصراع على النيل وموارده كما لو كان نزاعاً بين العرب والأفارقة، والمقصود من ذلك هو إثارة النزعات المعادية، والتي تلعب إسرائيل منذ فترة طويلة على إحيائها، من خلال غياب الحضور العربي في أفريقيا طيلة عقود.

مصر بحاجة إلى خطاب موجه للرأي العام الدولي لوضع الأمور في نصابها وتفنيد الادعاءات الأثيوبية، وتقديم خطاب عصري حديث يتوجه للمستقبل ويدعم القانون الدولي، وخاصة مبدأ لا ضرر ولا ضرار، وأن حوض النيل ينبغي أن ينعم بالسلام والتعاون، وأن يكون مصدراً للخصوبة والنماء، وليس مصدراً للعداوة والكراهية.

لقد عملت إثيوبيا في هذا الاتجاه وحصلت على تأييد جماعات نافذة في العديد من المؤسسات البرلمانية الغربية، واستثمرت أيضاً حملة «حياة السود مهمة» عقب مقتل جورج فلويد لصالحها.

لقد بدأت مصر ذلك منذ العديد من الفاعليات السياسية، وعليها أن توضح للجاليات المصرية ما ينبغي القيام به لدى المؤسسات والرأي العام العربي، ولن يتأخر مواطن مصري في الخارج عن أداء هذا الواجب في كل الظروف «فحياة المصريين أيضاً مهمة» بل وحياة الناس جميعاً تحظى بالأهمية نفسها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن جمعيات المجتمع المدني والأحزاب السياسية وكافة الفاعلين في الحياة السياسية والمدنية، يجب أن تكون لهم أجندتهم العملية التي تتعلق بمخاطر هذا السد على الحياة في مصر جنباً إلى جنب مع مؤسسات الدولة المختلفة، التي لن تدخر جهداً من أجل الحفاظ على حقوق مصر المائية والتاريخية في مياه النيل، طال الأمر أم قصر، ذلك أن الدفاع عن هذه الحقوق لا محيد عنه بكافة السبل، وفي هذا السياق، من الممكن تخفيف الترويج للحل العسكري على صعيد الإعلام المصري فيما يتعلق بالمواجهة مع إثيوبيا، لأن مثل هذه المواجهة ستكون مختلفة.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات