الطريق إلى 3 يوليو

غضب كثيرون لأن الموقع الإلكتروني الجديد لرئاسة الجمهورية، أدرج اسم «محمد مرسي العياط» ضمن الرؤساء الذين تولوا حكم مصر الجمهورية منذ 18 يونيو 1953. برر البعض منهم غضبه بأن حاكم مصر باسم جماعة الإخوان، نال حكماً قضائياً نهائياً بتهمة التجسس، وآخر بهدم السجون وتهريب المساجين الجنائيين وغيرها من أحكام بعضها مخل بالشرف، ما يُلزم بعدم إدراجه في ذلك الموقع. الغاضبون نسوا أن الحكم القضائي لا يلغي حكم التاريخ الذي يسير إلى الأمام وليس إلى الخلف، وينطوي على حقائق، يختلف المؤرخون في تفسيرها، لكنهم لا يستطيعون محوها أو تعديلها بسبب الرأي السلبي في وقائعها.

لكن المؤكد أن بين ما سيذكره التاريخ أن الغضب كان في موضعه تماماً حين قاد بعد شهرين فقط من بدء حكم جماعة الإخوان البغيض في يونيو 2012 للتحرك الشعبي لمعارضته ورفض العشوائية التي كانوا يقودون بها أمور البلاد. وخرجت أول تظاهرة تعترض على حكم المرشد في أغسطس من العام ذاته، بعدما تكشف للمصريين حالة الغطرسة الخاوية من أي قدرة على الإنجاز، والمفتقدة للكفاءة والخبرة اللازمة لإدارة دولة بحجم مصر والهوس بالثروة والسلطة والقوة الغاشمة التي كانوا يقودون بها البلاد نحو الهاوية.

وتجلى أول أوهام «النهضة» التي كان الإخوان يبشّرون بها الأمة من المحيط للخليج، في انتشار ميليشيات مسلحة في أنحاء المدن والمحافظات المصرية للتصدّي للمتظاهرين والاعتداء عليهم وإخفاء وجه التماثيل النسائية، وتحطيم بعضها، بوصفها عورة وأصناماً كافرة. ورافق ذلك اتّساع نطاق التهجّم شبه اليومي على النساء في الطرق العامة والتهديدات اليومية في إعلامهم الغث، الذي استهدف ترويع المصريين. والأخطر من هذا وذاك بدء الإعداد لتسليح فرق خاصة لكي تحل محل وزارة الداخلية، بزعم إعادة هيكلتها، والزج بأنصارهم وأعضائهم في كل المواقع التنفيذية في مؤسسات الدولة والمجتمع.

سوف يدوّن التاريخ ذلك الاحتفال الهزلي بالذكري التاسعة والثلاثين لحرب أكتوبر المجيدة في استاد القاهرة، حيث امتطى محمد مرسي سيارة مكشوفة جال بها في أنحاء الاستاد لتحية أنصاره، في مناسبة لم يكن له بها أية علاقة أصلاً، وحضرها حشد من الإرهابيين قتلة الرئيس السادات الذين سهّلت لهم الجماعة الهروب من السجون، بينما غاب عنها أعضاء المجلس العسكري وبينهم المشير طنطاوي أحد قادة حرب أكتوبر، بعد أن أقالهم، واصفاً في خطابه تلك الإقالة بالعبور الثالث، بعد عبور أكتوبر وعبوره للانتخابات الرئاسية!

سوف يسجل التاريخ أن رئيس جماعة الإخوان استخدم أسلوب المباغتة لتمرير إعلان دستوري، يحصّن قراراته من الطعن أمام القضاء، ويصادر على حكم مؤكّد بحل مجلس الشوري والجمعية التأسيسية التي أجازت دستور الجماعة، ويعدّل الطريق القانوني المستقر لتعيين النائب العام، فينقلها من سلطة القضاء إلى سلطته مباشرة.

سوف يكتب التاريخ أن الشرعية الانتخابية التي حاز بها مرسي حكم مصر لم تستطع حماية مقعده. فقد سار باندفاع نحو أخونة مؤسسات الدولة والحكم، فأثبت لمن تنقصه الأدلة أنه رئيس للجماعة وليس رئيساً لكل المصريين. وفي هذا السياق، نقض وعداً لوزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي بأن يلبي مطالب المتظاهرين بالدعوة لإجراء انتخابات نيابية مبكرة وتشكيل لجنة تأسيسية جديدة لكتابة دستور توافقي، ووقف مرسي في خطابه الأخير يتحدى، بقوله إنه هو الرئيس الشرعي وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وغير ذلك من خطاب الغطرسة الأجوف، الذي يعكس ضعفاً برغم انطوائه على تهديدات سافرة للمعارضين. وما أن لبى الجيش دعوات المطالبين في كل ميادين مصر برحيل حكم المرشد، وأعلن وزير الدفاع في 3 يوليو 2013 عزل مرسي وتعديل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتولي رئيس المحكمة الدستورية حكم البلاد لفترة انتقالية، حتى بدأت المراكز الدولية لجماعة الإخوان في لندن ونيوجيرسي وفرانكفورت وهامبورغ وكوبنهاغن وأنقرة والدوحة حرباً لا تتوقف لمعاقبة الشعب المصري وجيشه على إسقاط حكم الجماعة.

وتلك حرب لا تزال تحظى بمظلة خرافة يتبناها الغرب الأمريكي والأوروبي، أن جماعة الإخوان معتدلة، ويمكن التعويل عليها، كشريك ييسّر على الإدارة الأمريكية قيادة دول المنطقة نحو تحقيق مصالحها، وهو المخطط الذي نفذته إدارة أوباما ووزيرته كلينتون، وأفشله المصريون.

وما الغزو التركي لليبيا، والغطرسة الإثيوبية في قضية مياه السد، سوى حلقة من ذلك المخطط، يغامر منفذوه، إذا لم يحسبوا جيداً حساباً لغضب الشعوب.

* رئيسة تحرير «الأهالي» المصرية

طباعة Email