الاستثمار في حلول المدفوعات الرقمية يدعم النمو

رغم التباينات الكثيرة التي تميز مختلف البلدان والثقافات حول العالم، تتوحد جميع الحكومات في سعيها لتحقيق النمو الاقتصادي، وهي حقيقة ستترسّخ أكثر مع انتقالنا تدريجياً إلى عالم ما بعد «كورونا».

وفي خضم عودة النشاط الاقتصادي، ستنتعش الآمال بتحقيق النمو الشامل ورفع مستوى المعيشة وتراجع معدلات البطالة والانطلاق نحو مجتمع أكثر شمولاً. ولا شك في أن تحقيق هذه الطموحات مرهونٌ بمتانة البنية التحتية الرقمية اليوم أكثر من ذي قبل.

وحتى قبل هذه الجائحة، كانت الأسواق الناشئة تدرك بشكلٍ متزايد أن رقمنة قطاع المدفوعات وتقليل الاعتماد على النقد ضرورة محورية لتحقيق الشمول المالي. وفي هذا السياق، فإنني أعتقد أن منافع رقمنة المدفوعات لا تقتصر على تخفيف الكثير من السلبيات المرتبطة بالاعتماد على النقد فحسب، بل ستخلق كذلك سبلاً للنمو والابتكار من شأنها أن تساهم بقوة في ازدهار المجتمعات والأفراد والشركات.

وقد أكدت ذلك دراسة حديثة أجريتها مع فريقي في «ماستركارد»، حيث كشفت نتائجها أن المعاملات النقدية لا تزال تمثل 85% إلى 90% من إجمالي معاملات المستهلكين على مستوى العالم وغالباً ما ترتبط بتكاليف كبيرة مباشرة وغير مباشرة. وتشمل التكاليف المباشرة الإيرادات الضريبية المهدرة ومصاريف صناعة العملات النقدية ومناولتها ونقلها.

كما يشكل النقد أيضاً العملة الرئيسة لاقتصاد الظل الذي يثقل كاهل الحكومات بالتكاليف غير المباشرة بسبب ما يرتبط ببعض ممارساته من جرائم وفساد وعمليات إنفاذ القانون المرتبطة بكل ذلك. وقد أظهرت الإحصائيات أن انخفاض حجم اقتصاد الظل بمعدل 1% يقلل معدلات الفساد بنسبة من 0.81% إلى 1.14%.

وتوضح الدراسة أن التكلفة الاقتصادية المرتفعة المرتبطة بانتشار معاملات الدفع النقدي تمثل ما بين 3.2% و4.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتمكن رقمنة المدفوعات الحكومات والشركات والأفراد من الازدهار ضمن منظومة اقتصادية عالمية دائمة التغير ومحفوفة بالضغوط والتعقيدات من خلال حمل مبالغ نقدية أقل.

ووفقاً لدراسة أجرتها «موديز أنالاتيكس»، فإن زيادة استخدام المدفوعات الرقمية بنسبة 1% تؤدي إلى متوسط زيادة استهلاك السلع والخدمات بقيمة 104 مليارات دولار سنوياً، ما يمثل زيادة بنسبة 0.04% في الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق المتقدمة و0.02% في البلدان النامية. وسيكون لأي زيادة من هذا القبيل أهمية كبيرة بمجرد استئناف الأنشطة التجارية جدياً.

تتعاون «ماستركارد» مع الحكومات لرقمنة الاقتصادات الوطنية من أجل حصاد ثمار النمو الاقتصادي المرتبط بهذا التوجه وضمان تجربةٍ رقمية سلسة وسهلة للمقيمين والزوار. كما نعمل بالشراكة مع البنوك المركزية والمدن والوزارات والهيئات الحكومية لتقديم المشورة الضرورية في هذا المجال وتيسير تنفيذ مبادرات الرقمنة، بدعم من شبكتنا العالمية من الشركاء المتخصصين.

إننا نركز على تعزيز التعاون والشراكة بين القطاعين العام والخاص، انطلاقاً من قناعتنا الراسخة بأن إلقاء عبء تحقيق التنمية الاقتصادية على كاهل الحكومات وحدها أمرٌ غير واقعي. ويعيننا على تحقيق هذه الغاية فهمنا العميق للاحتياجات المعلنة وغير المعلنة للأطراف المعنية، ومن ثم انضمامنا إليهم لرسم خريطة طريق لاقتصاد المدفوعات الرقمية من خلال منهجنا الاستشاري الحصري لتصميم وتطوير منظومة المدفوعات (PEDD).

يستهدف منهج «ماستركارد» لتصميم وتطوير منظومة المدفوعات (PEDD) تعزيزَ المبادرات الاستراتيجية الضرورية لتطوير برامج غير نقدية تساهم في دفع مبادرات الابتكار الرقمي وتحديث البنى التحتية الوطنية في قطاع المدفوعات من خلال بناء ونشر الحلول والمنصات الرقمية.

وقد ناقشنا ذلك بالتفصيل في دراستنا التي حملت عنوان «السيولة النقدية: النمو الاقتصادي من خلال رقمنة المدفوعات».

وإضافة إلى ذلك، فإننا نهتم بشكلٍ خاص بتطويع التكنولوجيا لخدمة البشر، وخاصة خلال فعاليات مهمة مثل معرض «إكسبو 2020 دبي»، وتحديداً من خلال نموذج «ماستركارد» للتعاون الحضري City Possible ومختبر «ماستركارد» للشمول المالي.

تضع مثل هذه المبادرات حجر الأساس للمدن الذكية في المستقبل فهي تحول رحلة المتعامل إلى تجربة رقمية ضمن سلسلة قيمة المدفوعات وتقدم له تجربة سلسة وبسيطة وآمنة.

على سبيل المثال، اضطلعت الشركة بدورٍ فعال في دعم جهود البنك المركزي المصري لتطوير استراتيجية لاقتصاد المدفوعات الرقمية، إلى جانب توفير حلّ الرواتب الرقمية بالتعاون مع الحكومة المصرية، وهو مشروع حقق نمواً قوياً ليصبح واحداً من أكبر المشاريع من نوعه في العالم، حيث ساهم في توفير الخدمات المالية الرقمية للملايين من موظفي الحكومة.

كما قمنا أيضاً في مصر بتطوير منظومة متنقلة قابلة للتشغيل المتبادل، وأطلقنا محفظة رقمية تعد الأولى من نوعها على مستوى العالم بالشراكة مع البنك المركزي المصري نخدم من خلالها أكثر من 13 مليون مستخدم في عموم البلاد، ما يمكّن أكثر من 30% من إجمالي السكان من الاستفادة من الخدمات المالية الإلكترونية.

وفي وقت سابق هذا العام، أطلقنا أيضاً المرحلة الأولى من رؤيتنا للمدينة الذكية التي قمنا بتطويرها لمصلحة العاصمة اللبنانية بيروت وذلك بتمكين السكان من دفع الرسوم البلدية رقمياً عبر آلية تمتاز بالسهولة والسلاسة.

يحفل المستقبل الرقمي بالعديد من الخيارات المتاحة تحت مظلة مجتمع تنافسي تكون محصلته عادةً أمةً سعيدة. أحد تلك الخيارات الاقتصادية هو الشمول الرقمي والمالي الذي يتيح للمستهلكين والشركات، سواء كانت مصرفية أو غير مصرفية، طرقَ دفعٍ متعددة ووسائل أيسر للحصول على المستحقات وتتبعها.

ومن شأن هذه التطورات تحسين وصول أصحاب المصلحة والأطراف ذات العلاقة للحلول والخدمات الائتمانية، وتوفير المزيد من مصادر التمويل للمشروعات الصغيرة وتيسير ممارسة الأنشطة التجارية لأقصى حدٍ ممكن.

هذا هو الوقت الأنسب للاهتمام بتحقيق الشمول الرقمي وتوطيد شراكات مثمرة تمكننا من تطوير قطاع المدفوعات الرقمية ليشمل الفئات المحرومة اقتصادياً ويخفف من التكاليف المرتبطة باستخدام النقد ويحقق النمو الاقتصادي والرفاه اللذين نتمناهما لمجتمعاتنا وشعوبنا.

* رئيس إدارة الأعمال الحكومية بمنطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا في «ماستركارد»

طباعة Email